هل تجوز رسامة المرأة للخدمة في الكنيسة؟

liberalism

هل يحق للمرأة أن تخدم في وظيفة التعليم والقيادة والإدارة في الكنيسة بحسب تعاليم كلمة الله؟ هذا سؤال مهم جدًا ويشغل فكر الكثيرين خاصة في ظل قرار بعض الكنائس برسامة المرأة واستخدام نصوصًا كتابية في وجهة نظرهم تدعم هذا القرار. لذا سوف أقدم دراسة بسيطة من كلمة الله المقدسة والمعصومة تجاه هذا الموضوع. فماذا يعلّم الكتاب بهذا الشأن؟

أولًا بعض النصوص الكتابية الهامة:

لِتَتَعَلَّمِ الْمَرْأَةُ بِسُكُوتٍ فِي كُلِّ خُضُوعٍ. وَلكِنْ لَسْتُ آذَنُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُعَلِّمَ وَلاَ تَتَسَلَّطَ عَلَى الرَّجُلِ، بَلْ تَكُونُ فِي سُكُوتٍ، لأَنَّ آدَمَ جُبِلَ أَوَّلاً ثُمَّ حَوَّاءُ، وَآدَمُ لَمْ يُغْوَ، لكِنَّ الْمَرْأَةَ أُغْوِيَتْ فَحَصَلَتْ فِي التَّعَدِّي. وَلكِنَّهَا سَتَخْلُصُ بِوِلاَدَةِ الأَوْلاَدِ، إِنْ ثَبَتْنَ فِي الإِيمَانِ وَالْمَحَبَّةِ وَالْقَدَاسَةِ مَعَ التَّعَقُّلِ. (1 تيموثاوس 2: 11–15)

لِتَصْمُتْ نِسَاؤُكُمْ فِي الْكَنَائِسِ، لأَنَّهُ لَيْسَ مَأْذُونًا لَهُنَّ أَنْ يَتَكَلَّمْنَ، بَلْ يَخْضَعْنَ كَمَا يَقُولُ النَّامُوسُ أَيْضًا. وَلكِنْ إِنْ كُنَّ يُرِدْنَ أَنْ يَتَعَلَّمْنَ شَيْئًا، فَلْيَسْأَلْنَ رِجَالَهُنَّ فِي الْبَيْتِ، لأَنَّهُ قَبِيحٌ بِالنِّسَاءِ أَنْ تَتَكَلَّمَ فِي كَنِيسَةٍ. (1 كورنثوس 14: 34-35)

تعلّم بوضوح هذه الآيات في سياقها النصي بعدم السماح للمرأة أن تعلّم أو تتسلّط في الكنيسة. فبحسب كلام بولس في 1 تيموثاوس 2: 12، لم يمنع عن المرأة أن تعلّم وترشد أسرتها داخل البيت، لكنه فقط يمنعها من وظيفة التعليم داخل الكنيسة، هذه الوظيفة التي أودعها الله للرجال على وجه الحصر.

في حكمته الغير محدودة قرّر الرب يسوع أن يختار 12 تلميذًا و70 رسولًا موصيًا إيّاهم أن يذهبوا للعالم أجمع للوعظ بالإنجيل وتعليم كلمة الله. لذلك فمن يقوم بعمل خدمة الرب يسوع في التعليم وإدارة كنيسته يجب أن يكونوا رجالاً مشهود لهم بالإيمان والسلوك الصالح والفهم الكتابي.

يحق للمرأة أن تعلّم نساء أخريات أو أطفالاً لكن بحسب كلمة الله لا يحق لها أن تعلّم الرجال في أي وظيفة رسميّة داخل الكنيسة. وهذا ليس له علاقة بمواهب المرأة أو استحقاقها وحقوقها لكن بالطاعة ورئاسة الرجل. فالمسيح هو الملك والرأس الوحيد لكنيسته، يحكم فيها من خلال كلمته وروحه. وليس مسموحًا للكنيسة أن تمارس أي أمر يخالف الكتاب المقدس. فكلمة المسيح تمنع المرأة من أن تعلّم أو أن تغتصب سلطانًا على الرجل (1 تيموثاوس 2: 12). وهذا يعني منع المرأة من أي وظيفة داخل الكنيسة.

والبعض يظن أن تعاليم بولس في 1 تيموثاوس 2: 11–15 كانت مرتبطة بثقافة المجتمع في ذلك الوقت. ولكن الواقع هو أن بولس يضع أصول تعاليمه هذه في قوانين الخلق ذات القياس المعياري في كل زمن. فتحديدًا أوصى بولس بألا تعلّم المرأة الرجل أو أن يكون لها مركزًا للسلطة أو السيادة على الرجل على أساس أن آدم خُلق قبل حواء وأن حواء هي التي أُغويت (1 تيموثاوس 2: 13-14). ويأتي بعد هذا النص مباشرا التعليم بشأن مؤهلات وظيفة الشيخ أو الأسقف في الكنيسة (1 تيموثاوس 3: 1-7) والتي تنطبق فقط على الرجال على أساس أنه تم استثناء المرأة من هذه الوظيفة في 1 تيموثاوس 2: 12–14. فقد وضع الله نظامًا في الخلق وعلى الكنيسة أن تتبع هذا النظام. ولأن قوانين الخلق لا تتغير فكذلك تطبيقها لا يتغير فيما يتعلق بعدم جواز رسامة المرأة.

من المهم أيضًا إيضاح أن بولس لم يمنع المرأة من وظيفة التعليم بشكل مطلق، أو حتى من القدرة على تعليم الرجال. لأن بولس نفسه تكلم بشكل إيجابي عن دور بريسكلا مع زوجها أكيلا في تعليم أبولس (أعمال الرسل 18: 26). والتعليم هنا كان عملا مشتركًا بين زوج وزوجته وكان في المنزل وليس في الكنيسة. ولكن بما أن 1 تيموثاوس 3: 1–7 (مؤهلات الشيوخ) تأتي مباشرا بعد 1 تيموثاوس 2: 11–15، فهذا يعني أن 1 تيموثاوس 2: 12–14 تختص فقط بعدم رسامة المرأة في وظيفة الشيخ أو القسيس في الكنيسة. ذلك لا يشمل أنواع أخرى من التعليم كوظيفة أساتذة جامعية مثلا أو حتى أستاذة في كليات اللاهوت.

من هنا يتضح لنا أن استبعاد بولس للنساء من خدمة المشيخة في 1 تيموثاوس 2: 12 يقع، ليس على افتراض عدم دستورية قدرة النساء للتعليم أو ممارسة السلطة، ولكن على القياس الفريد القائم على العهد بين الأسرة والكنيسة (“بيت الله” 1 تيموثاوس 3: 15). فهيكل السلطة في البيت وفي الكنيسة يعكس بعضه البعض، فرئاسة الشيوخ في الكنيسة يعكس رئاسة الأب (والزوج) في الأسرة.

ثانيًا مفهوم الرئاسة:

لقد خلق الله الإنسان ذكرًا وأنثى على صورته كشبهه (تكوين 1: 27). فهم متساوون في الوجود والكينونة والقيمة من حيث الخلق. وبالفداء لهم أيضًا نفس النصيب الصالح نتيجة عمل المسيح الكفاري، حيث ليس ذكرا ولا أنثى في الإيمان بالمسيح (غلاطية 3: 26-29).

لكن هذا لا يلغي أو يمنع وجود فوارق طبيعية وضعها الله في الذكر والأثنى حين خلقهم. وهذه الفوارق تتمثل في الأدوار والمهام والإمكانيات التي وضعها الله في كلا منهم. نعلم من تكوين 2 أن آدم خُلق قبل حواء. ونعلم أيضًا أنه لآدم أعطى الله وصية حفظ الجنة والعمل فيها (تكوين 2: 15). وشملت وصية حفظ الجنة على تسمية الحيوانات بأسمائها. لم يكن هذا عمل حواء. فقد خُلقت هي في وقت لاحق كي تكون معينة لآدم في إتمام الدعوة التي كلفه بها الله، وليس العكس. فالمرأة خُلقت لأجل الرجل وليس الرجل من أجل المرأة (1 كونثوس 11: 9). وقد أعطى آدم كل حيوان اسمًا له. وهذا العمل هو إظهار وممارسة مهمة التسلّط التي كلف الله آدم بها. فهي علامة على ممارسة السلطان حيث أحضر الله الحيوانات لآدم لكي يتمم آدم ما أوصاه الله به. فكما أعطى الله أسماءً لكل خليقته بسلطانه عليهم كذلك أعطى آدم أسماءً لكل الحيوانات كعمل ممارسة سلطانه عليهم. وفي نفس السياق نرى آدم يعطي حواء امرأته اسمًا (تكوين 2: 23). وفي هذا ممارسة لسلطانه الممنوح له من الله عليها كما مارسه على الحيوانات. وهذا لا يعني أن سلطان حواء ليس أعظم من سلطان الحيوانات ولكنه يعني أن سلطان آدم أعظم من سلطانها. من المهم أيضًا أن نلاحظ أن آدم أعطى اسمًا لحواء مرتين: مرة قبل السقوط (تكوين 2: 23)، ومرة بعد السقوط (تكوين 3: 20). وهذا يعني أن سلطانه عليها له أصوله في الخلق ولم يُلغى هذا السلطان بالسقوط في الخطية.

ولآدم أوصى الله ألا يأكل من شجرة معرفة الخير والشر وأن الموت هو النتيجة الحتمية له إن أكل من هذه الشجرة (تكوين 2: 16 – 17). وبالرغم من أن حواء في ذلك الوقت لم تكن قد خُلقت إلا أنها كانت في صلب آدم حيث كان هو نائبًا وممثلاً ورأسًا لكل الخليقة من بعده. وكان عليه بعد خلق حواء أن يحفظ نفسه ويحفظها لعمل الوصية وعدم كسرها. ولهذا نرى أن مفهوم رئاسة الرجل على المرأة هو في صلب خلق الله للإنسان. وقد يعترض البعض على أن مفهوم الرئاسة أو التدرجي الهرمي في السلطة جاء كنتيجة للخطية ورغبة الإنسان في التسلّط المستبد. ولكن هذا ليس صحيحًا بدليل أن الله خلق الملائكة في ترتيب هرمي للسلطة حيث يوجد رئيس ومرؤوسين للملائكة (دانيال 10: 13، 12: 1، يهوذا 1: 9، رؤيا 12: 7).

لاحظ أيضًا أن العهود الكتابية الستة التي صنعها الله مع شعبه كانت من خلال وساطة الرجل وليس المرأة. فالرجل هو دائمًا النائب أو الممثل لخليقة الله بما فيها النساء. فكما رأينا مثلاً، العهد الذي قطعه الله مع آدم تطلّب ولاء آدم بالطاعة وشمل على عواقب العصيان وهو الموت. وهذا كله قُيل لآدم باعتباره ممثلاً ونائبًا ورأسًا لحواء.

إن مفهوم رئاسة الرجل على المرأة في الخلق له أصوله أيضًا في جوهر كيان الله نفسه. حيث نجد أن الله موجود في ثلاثة أقانيم. وهذه الأقانيم متساوون في الجوهر والمجد والقوة والعظمة لكنهم مختلفين من حيث الأدوار والمهام. فالآب هو الخالق. أما الأبن فلم يكن هو الأقنوم الرئيسي في عمل الخلق بل كل شيء خلق فيه وبه وله (يوحنا 1: 3، رومية 11: 36، كولوسي 1: 16). كذلك الآب لم يُصلب على الصليب لكنه أرسل الأبن لهذه المهمة. فجاء الأبن متممًا ليس لمشيئته بل لمشيئة الآب (يوحنا 6: 38)، ولم يكن يقدر الأبن أن يعمل من نفسه شيئا بل كان تحت طاعة الآب وسيادته (يوحنا 5: 19، 30، 8: 28، 12: 49، 14: 10، قارن متى 26: 39). فالآب أرسل الأبن، والآب والأبن أرسلوا الروح القدس (يوحنا 15: 26، 16: 7). فكما أن الآب هو رأس المسيح، كذلك المسيح رأس الرجل، والرجل رأس المرأة (1 كورنثوس 11: 3). فالرجل هو رأس المرأة كما أن المسيح هو رأس الكنيسة (أفسس 5: 23).

لهذا رأينا أن رئاسة الرجل متجذّرة بعمق في نظام الخلق نفسه (تكوين 2: 15–24، 3: 15–19، 1 تيموثاوس 2: 11–15، 1 بطرس 3: 1–7)، وكذلك أيضًا في النظام الذي وضعه الله في الكنيسة (الخليقة الجديدة) (1 كورنثوس 11: 3–16، 14: 33–35، أفسس 5: 22–33). أدوار العلاقات هذه غير قابلة للتفاوض فيها. فالأمر يتعلق باللاهوت وليس تسيّد ثقافي أو تأثير مجتمع ذكوري كما يدعي البعض.

ثالثًا دبورة القاضية:

يظن البعض أن وجود شخصيات مثل دبورة القاضية في سفر القضاة أصحاحات 4–5 يجعل من حق المرأة أن يكون لها مركز للقيادة والتعليم والإدارة في الكنيسة. لقد كانت دبورة قاضية، وهذه وظيفة تشبه إلى حد كبير وظيفة الحكم المدني كملكة، أو رئيسة دولة، أو أي سلطان مدني أخر. فكونها قاضية يعني أنها كانت تحكم بين الناس، حيث يقول الكتاب “فِي أَيَّامِ حُكْمِ الْقُضَاةِ” (راعوث 1: 1). فحكم القضاة لم يكن وظيفة دينية. كان الكهنة واللاويين هم الوعاظ وقادة العبادة في ذلك الوقت.

لقد أقام الله دبورة ليظهر للرجال كسلهم وتخاذلهم حين كان شعب الله في عبودية. ولقد فضلت دبورة نفسها أن تكون القيادة للرجال في إسرائيل حيث قالت “لأَجْلِ قِيَادَةِ الْقُوَّادِ فِي إِسْرَائِيلَ، لأَجْلِ انْتِدَابِ الشَّعْبِ، بَارِكُوا الرَّبَّ.” (قضاة 5: 2). بدلا من اعتمادهم واتكالهم على امرأة. “فَقَالَ لَهَا بَارَاقُ: «إِنْ ذَهَبْتِ مَعِي أَذْهَبْ، وَإِنْ لَمْ تَذْهَبِي مَعِي فَلاَ أَذْهَبُ». فَقَالَتْ: «إِنِّي أَذْهَبُ مَعَكَ، غَيْرَ أَنَّهُ لاَ يَكُونُ لَكَ فَخْرٌ فِي الطَّرِيقِ الَّتِي أَنْتَ سَائِرٌ فِيهَا. لأَنَّ الرَّبَّ يَبِيعُ سِيسَرَا بِيَدِ امْرَأَةٍ»” (قضاة 4: 8-9). ففي موقف استثنائي قد اختار الله أن يستخدم دبورة. ولكن في الطبيعي، خاصة في الكنيسة المنظمة بحسب كلمة الله حيث يمكن للأشياء أن تتم بطريقة منتظمة، يوصي التعليم الكتابي على أن خدمة التعليم والإدارة في الكنيسة هي للرجال فقط. فلو كان من حق المرأة كدبورة أن تحكم ويكون لها سلطان في الحكومة المدنية، فهذا ليس من حقها داخل الكنيسة.

رابعًا ماذا عن وظيفة الشماس؟

قد يظن البعض أن الكتاب المقدس ربما لا يسمح برسامة المرأة في وظيفة الشيخ أو القسيس لكنه يعطي المجال لرسامة المرأة في وظيفة الشماس. فهل هذا فعلا يعلّمه الكتاب المقدس؟

في أول رسامة لخدمة الشماس في الكنيسة الأولى في أعمال الرسل 6: 1–6 نجد أن سبعة رجال انتخبتهم الكنيسة لهذه الخدمة ولم يكن من بينهم نساء. كذلك نرى في فيلبي 1: 1 ذكر بولس للأساقفة (أي الشيوخ) مع الشمامسة كوظائف في الكنيسة. ومن هنا نرى أن وظيفة الشماس لها سلطان ممنوح من المسيح كما وظيفة الشيخ سواء في خدمة الموائد أو الاعتناء بالفقراء، أو بالاهتمام باحتياجات أعضاء كنيسة المسيح.

يلجأ البعض إلى شخصية فيبي في رومية 16: 1–2 حيث ذكر عنها بولس أنها “خادمة” الكنيسة التي في كنخريا. لكن لا يوجد في النص ما يجعل خدمة فيبي في الكنيسة وظيفة كنسية ذات سلطان كخدمة الشيخ أو القسيس. فالكلمة المترجمة “خادمة” جاءت 30 مرة في العهد الجديد، وفقط 3 مرات استخدمت الكلمة بمعنى الوظيفة الكنسية لخدمة الشماس (فيلبي 1: 1، 1 تيموثاوس 3: 8، 12).

النص الأخر الذي يعتمد عليه البعض ظنا منهم أنه يدفع برسامة المرأة في وظيفة الشماس هو 1 تيموثاوس 3: 11. والجدل القائم هو ما إذا كانت كلمة “نساء” تشير إلى: 1) نساء شمامسة أم 2) زوجات الشمامسة.

وهناك أدلة كثيرة من النص نفسه تشير إلى الاحتمال الثاني أي زوجات الشمامسة كالآتي:

1) أن يقطع الرسول بولس وصفه لمؤهلات الشمامسة الذكور في الآيات 10، 12 بإدخال مؤهلات النساء لخدمة الشمامسة يكون أمرا غريبا وغير مرجح، فالاحتمال الأكثر قبولاً من ذلك هو أن “النساء” في الآية 11 هم زوجات الشمامسة اللاتي بطبيعة خدمة أزواجهن لديهن فرصة لتقديم بعض المساعدات لأزواجهن الشمامسة.

2) لو كان بولس يرغب في تقديم تعليمات بشأن مؤهلات الشمامسة من النساء كان سيكون من السهل عليه أن يوضح ذلك من خلال إضافة كلمة “الشماسات” سواء بعد كلمة “النساء” مباشرةً أو بدلاً منها.

3) قد يكون سبب ذكر بولس لزوجات الشمامسة وعدم ذكر زوجات الشيوخ يرجع لسببين: أولاً أن زوجات الشمامسة، مثل الشمامسة أنفسهم، كانوا صغارًا في العمر وبالتالي غير معروفين لذا وجب الفحص والتدقيق في حياتهم بشكل مكثف، وثانيًا بسبب طبيعة الاختلافات بين الوظيفتين يكون لزوجات الشمامسة دورًا مباشرًا وشاملاً في أنشطة أزواجهن خلاف الوضع في زوجات الشيوخ.

4) في جزء لاحق من الرسالة يتحدث بولس بشأن الخدمات التي يمكن للأرامل أن تقوم بها في الكنيسة (1 تيموثاوس 5: 9 – 16). لاحظ التشابه بين الصفات المطلوبة في 1 تيموثاوس 3: 11 وتلك التي للعجائز في تيطس 2: 3، حيث لا توجد مسألة وجود المرأة في خدمة الشمامسة.

5) لو أن بولس قصد أن يكون هناك وظيفة للمرأة في خدمة الشمامسة في الكنيسة سوف لن يكون هناك أي داعي لذكر مؤهلات أخرى في 1 تيموثاوس 5: 9 – 16.

من هنا يتضح لنا أنه بحسب كلمة الله لا يحق للمرأة أن تخدم في وظيفة الشمامسة داخل الكنيسة لما لهذه الوظيفة من سلطان معطى من المسيح. وهذا السلطان يمنع أن تكون للمرأة سيادة أو تسلط على الرجل.

إن من يمارس رسامة المرأة لأي وظيفة للخدمة والقيادة في الكنيسة يكسر وصايا الرب بشكل صريح ويتمرّد على سلطان كلمته المقدسة. فرسامة المرأة أمر لا يسمح به الكتاب المقدس بل ويعلّم ضده كما رأينا وفق النظام الأصيل الذي وضعه الله للإنسان ذكرًا وأنثى في الخلق، وما أعلنه لنا المسيح في تجسده عن طبيعة علاقته بالآب والكنيسة. لم تمارس الكنيسة رسامة المرأة لمدة 20 قرن منذ عصر الكنيسة الأولى. بل بدأت حركات رسامة المرأة في عصر التنوير وما بعد الحداثة حيث رفض الحق المطلق والتمرّد على أي سلطان يفوق الإنسان، وإعلاء قيمة العقل البشري على الوحي المقدس، ومن هنا انطلق الحركات الليبراليّة التحرريّة التي أنكرت كل ما هو فوق طبيعي في الكلمة المقدسة. ليعطنا الرب حكمة وتواضع وخضوع لسلطان كلمته المقدسة والتصرف في كنيسته كما أوصانا هو وليس بحسب أهواء البشر.

د. ق. شريف جندي

Image

عهد الأعمال والاعتراض عليه

يعترض البعض على وجود عهدا للأعمال قطعه الله مع آدم في جنة عدن. ويأتي أهم وأشهر اعتراض في صورة سؤال: كيف يكون هناك عهدا في سفر التكوين اصحاح 2 لو أن موسى (كاتب السفر) لم يكتب هذا صراحة؟ ذلك لأن كلمة “عهد” لم تُستخدم في أول اصحاحين من سفر التكوين. فأول ظهور للكلمة العبرية المترجمة عهد في سفر التكوين هو في اصحاح 6. ولهذا يأتي الاعتراض أنه لا يوجد عهد في الكتاب المقدس إلى أن نصل إلى تكوين 6. ولذلك يخلص البعض إلى أن عهد الأعمال هو عهد غير كتابي ويفتقر إلى أي سند من الكتاب المقدس. فالتعليم عن عهد الأعمال هو من صنع الإنسان وليس إعلانا من الله، فهو لاهوت من صنع البشر وليس من صنع الله. فهل هذا الاعتراض صحيح ومنطقي؟ هل فعلا لا يوجد عهدا للأعمال في تكوين 2؟ سأجاوب على هذا الاعتراض في أربعة نقاط أساسية.

أولًا، المصطلح والمفهوم:

هذا الاعتراض يفترض أنه إن لم يكن المصطلح موجود في النص فالمفهوم الذي يدل عليه هذا المصطلح غير موجود أيضا. هذه مغالطة بين المصطلح والمفهوم. فالكتاب المقدس نفسه يرى مفاهيما في النصوص ثم يستخدم مفردات أو مصطلحات غير موجودة في النص المشار إليه لوصف تلك المفاهيم. على سبيل المثال، انظر إلى أعمال الرسل 2: 22 – 31. هنا يشير بطرس لمزمور 16: 8 – 11 ويقتبس منه. ثم لاحظ ما يفعله في الأية 32. حيث يستخدم بطرس مصطلحات غير موجودة في المزمور لوصف المفاهيم التي يقدمها المزمور. يقول بطرس أن داود “سَبَقَ فَرَأَى وَتَكَلَّمَ عَنْ قِيَامَةِ الْمَسِيحِ.” المصطلحين “قيامة” و”المسيح” غير موجودين في المزمور. هنا يستخدم بطرس مفردات لوصف المفاهيم الضمنية في المزمور وإن لم يكن كاتب المزمور قد استخدم هذه المفردات بشكل صريح. النقطة الرئيسية هي هذه: يمكن أن يكون هناك مفاهيم في النصوص دون استخدام المصطلحات التي نستخدمها عادة لوصف هذه المفاهيم. كذلك ينطبق الحال على عقيدة الثالوث. مصطلح “ثالوث” غير موجود في الكتاب المقدس. ومع ذلك التعليم عن عقيدة الثالوث ومفهوم وجود ثلاثة أقانيم في شخص الله موجود في الكتاب المقدس كله دون استخدام للمصطلح نفسه.

ثانيًا، هناك مصطلحات مستخدمة بعد أحداث قصة جنة عدن لوصف آدم ودعوته وهي لم ترد في سرد أحداث تكوين 1 – 2.

لننظر مثلا لثلاثة نصوص:

في لوقا 3: 38، دُعي آدم “ابن الله”. ولكن موسى لا يدعو آدم ابن الله في سفر التكوين، وفي الواقع، فإن كلمة “ابن” تأتي لأول مرة في تكوين 4: 17 للإشارة إلى ابن حنوك. فالفكرة الرئيسية هي أنه لو قال الله عن آدم أنه ابن الله فلا يهم أين قال هذا. فالأمر منتهي، حتى لو قال الله ذلك في لوقا 3. أيضا، لم يصبح آدم لأول مرة ابن الله عندما ذكرها لوقا في إنجيله. بل كان آدم على هذا النحو في خلقه. وبالتالي فإن مفهوم آدم كابن الله موجود ضمنا في سرد أحداث تكوين 1 – 2 على الرغم من أن كلمة “ابن” غير موجودة هناك.

في رومية 5: 14 يُدعى آدم “مِثَالُ الآتِي”. ولكن موسى لم يدعو آدم مثال المسيح في سفر التكوين، وفي الواقع كلمة “مثال” تأتي لأول مرة في رومية 5: 14. لو قال الله إن آدم هو مثال المسيح، فلا يهم أين قال هذا. فالأمر محسوم، حتى لو قال ذلك في رومية 5. أيضا، لم يبصح آدم لأول مرة مثال المسيح عندما قال بولس ذلك في رومية. وبالتالي فإن مفهوم آدم كمثال المسيح موجود ضمنا في سرد أحداث تكوين 1 – 2 على الرغم من أن كلمة “مثال” غير موجودة هناك.

في 1 كورنثوس 15: 22 يقول بولس: “لأَنَّهُ كَمَا فِي آدَمَ يَمُوتُ الْجَمِيعُ، …” ومع ذلك، لم يخبرنا موسى أن آدم كان ممثلا ونائبا عن البشر في سرد أحداث سفر التكوين. فعبارة “في آدم” ليست في سفر التكوين أو في أي مكان آخر في العهد القديم. وفي واقع الأمر، تأتي عبارة “في آدم” مرة واحدة فقط في 1 كورنثوس 15: 22. إن قال الله “فِي آدَمَ يَمُوتُ الْجَمِيعُ”، فلا يهم أين قال هذا. فالأمر محسوم، حتى لو قال ذلك في 1 كورنثوس 15. أيضا، لم يمت الجميع في آدم فقط عندما قال بولس ذلك في 1 كونثوس 15. وبالتالي فإن مفهوم آدم باعتباره ممثلا ونائبا عن الجنس البشري في الجنة هو مفهوم ضمني في سرد أحداث الجنة على الرغم من أن عبارة “في آدم” غير موجودة هناك.

ثالثًا، يستخدم الكتاب المقدس نفسه، بالنظر إلى قصة آدم في الجنة، لغة واضحة عن العهد.

انظر إلى شرح موسى اللاحق بوحي من الروح القدس لأعمال الله في الخلق كما هو مسجل لنا في تكوين 2: 4 وما يليها. من المهم أن نفهم العلاقة بين أعمال الله والكتاب المقدس. فإلى حد كبير، الكتاب المقدس هو تسجيل، وتفسير، وتطبيق لأعمال الله السابقة. وبعبارة أخرى، لم يقوموا كتّاب الكتاب المقدس بمجرد تسجيل أعمال الله (كما في سرد أحداث الجنة)، بل أيضا فسروها، أي أنهم قاموا بصياغة اللاهوت من خلال أعمال الله وذلك كله بوحي من الروح القدس. على سبيل المثال، عاش ربنا يسوع المسيح ومات قبل يُعطى لنا التفسير الإلهي لآلامه ومجده في صورة أسفار العهد الجديد. وبالمثل، فإن عمل الله كخالق حدث قبل أن يكتب موسى عن هذا الأمر. فالفكرة الرئيسية هي هذه: في تكوين 2: 4 يتحول موسى من مصطلح “إلوهيم” “الله” لعبارة “يهوه إلوهيم” “الرب الإله”، حيث أن كلمة “يهوه” “الرب” هو الاسم الذي أعلنه الله عن نفسه في إطار العهد وهو معروف بهذا الاسم من قبل أولئك الذين كتب إليهم موسى، أي بني إسرائيل (قارن خروج 3: 14، لاحظ تكرار الرب للعبارة العهديّة “أَنَا إِلهُ أَبِيكَ، إِلهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِلهُ إِسْحَاقَ وَإِلهُ يَعْقُوبَ” في الآيات 6، 13، 15، 16، 4: 5). فموسى ينتقل في تكوين 2: 4 من قصة الخلق بشكل عام إلى قمة الخلق، الإنسان في صورة الله ومسؤوليته أمام الله. فاستخدام كلمة “الرب” هنا هو إشارة إلى الوضع العهدي للإنسان في علاقته بالله. هذا يشير إلى أن العهد وخلق الإنسان يسيران جنبا إلى جنب. موسى، شارحا لعمل الله في الخلق، يستخدم الاسم العهدي لله في سياق الحديث عن آدم ودعوته في جنة عدن.

انظر إلى كلمات النبي إشعياء:

وَالأَرْضُ تَدَنَّسَتْ تَحْتَ سُكَّانِهَا لأَنَّهُمْ تَعَدَّوْا الشَّرَائِعَ، غَيَّرُوا الْفَرِيضَةَ، نَكَثُوا الْعَهْدَ الأَبَدِيَّ. لِذلِكَ لَعْنَةٌ أَكَلَتِ الأَرْضَ وَعُوقِبَ السَّاكِنُونَ فِيهَا. لِذلِكَ احْتَرَقَ سُكَّانُ الأَرْضِ وَبَقِيَ أُنَاسٌ قَلاَئِلُ. (إشعياء 24: 5 – 6)

وهنا نلاحظ أولا أن اللعنة التي امتدت إلى كل الأرض جاءت بسبب التعدي على الشرائع، وانتهاك الفرائض، وكسر العهد. ثانيا، بما أن الأرض قد لُعنت بسبب خطية آدم كممثل لنا ونائب عنا، فقد كسر آدم العهد في جنة عدن وآثار كسر عهده يؤثر على “السَّاكِنُونَ فِيهَا”. ثالثا، هنا يكتب النبي إشعياء بعد فترة طويلة من خلق آدم وبعد فترة طويلة من وقت كتابة موسى، مستخدمًا لمفاهيم ظهرت لأول مرة مع آدم لشرح ذنب الإنسان في كل مكان.

انظر لكلمات هوشع النبي.

أولًا، في هوشع 6: 7 ارتبط إسرائيل بآدم. “وَلكِنَّهُمْ كَآدَمَ تَعَدَّوْا الْعَهْدَ…” (هوشع 6: 7). ثانيًا، كسر كلا من آدم وإسرائيل عهدا وضعه عليهم الله. كلاهما عصى الله، وأخطأوا وكسروا العهد. ثالثًا، كلا من العهدين كان مشروطا، حيث تطلب كل عهد الطاعة من أولئك الذين في العهد لكي يستمتعوا ببركات العهد. “…لأَنَّكَ يَوْمَ تَأْكُلُ مِنْهَا مَوْتًا تَمُوتُ” (تكوين2: 17، قارن خروج 19: 5 – 6 للطبيعة المشروطة للعهد الموسوي). رابعًا، هنا نرى نبي آخر ينظر إلى إعلان سابق، معلنا بشكل صريح ما كان ضمنا في السابق. فالإعلان اللاحق يعلن بشكل صريح ما كان ضمنا في الإعلان السابق. حيث يعطينا النبي بوحي فهم الله لإحدى أوجه الشبه بين إسرائيل القديم وآدم. كلاهما كان في عهدٍ مع الله وكلاهما تجاوز العهد وكسره.

رابعًا، نأتي الآن للسؤال: لماذا يطلق عليه عهد الأعمال؟

يطلق على العهد الذي قطعه الله مع آدم بعهد الأعمال حيث ترجع هذه التسمية إلى حقيقة أن العهد كان مشروطا بطاعة آدم أو بأعماله. فمصطلح “أعمال” في عبارة “عهد الأعمال” هو مرادف “الطاعة”. وهو مصطلح يعكس شرح الكتاب المقدس (وبالتالي شرحا معصوما) لاحقا لدعوة آدم في جنة عدن (رومية 5: 12 – 21). فرومية 5: 19 تشير لهذا المصطلح حيث يقول: “لأَنَّهُ كَمَا بِمَعْصِيَةِ الإِنْسَانِ الْوَاحِدِ جُعِلَ الْكَثِيرُونَ خُطَاةً، هكَذَا أَيْضًا بِإِطَاعَةِ الْوَاحِدِ سَيُجْعَلُ الْكَثِيرُونَ أَبْرَارًا”. فعكس “المعصية” هو “الإطاعة”. ومرادف “الإطاعة” هو “الأعمال”. مصطلح “أعمال” هو أيضا خيار جيد لأنه يتباين مع “النعمة والعطية” في رومية 5: 17 يقول بولس:

“لأَنَّهُ إِنْ كَانَ بِخَطِيَّةِ الْوَاحِدِ قَدْ مَلَكَ الْمَوْتُ بِالْوَاحِدِ، فَبِالأَوْلَى كَثِيرًا الَّذِينَ يَنَالُونَ فَيْضَ النِّعْمَةِ وَعَطِيَّةَ الْبِرِّ، سَيَمْلِكُونَ فِي الْحَيَاةِ بِالْوَاحِدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ!”

فعصيان آدم جلب الموت، أما طاعة المسيح فتجلب الحياة، نوع من الحياة لم تكن لدى آدم، أي الحياة الأبدية (يوحنا 17: 3).

الخلاصة:

من الواضح لنا إذن أن الكتاب المقدس يشهد عن عهدا للأعمال صنعه الله مع آدم. فأحداث تكوين 1 – 2 تحتوي على أكثر مما تراه العين. فهي قصة لسرد الأحداث، وليست مقالا لاهوتيا شاملا يستخلص كل الآثار المترتبة سواء ضمنا أو افتراضا في المصطلحات التي تستخدمها. هذه القصة هي واحدة من تلك النصوص التي يتم الإشارة لها عدة مرات في الإعلان اللاحق. فنصوص أخرى تشير إليها وتستخلص منها ما هو ضمني فيها. فما هو ضمني فيها يصبح واضح في كلمة الله المعصومة والموحى بها لاحقا. فقد كان كتّاب الكتاب المقدس لاهوتيين قبل كل شيء. تذكر هذا المبدأ جيدا: الإعلان اللاحق يعلن بشكل صريح ما كان ضمنا في الإعلان السابق. وبعبارة أخرى، فإن الكتاب المقدس في كثير من الأحيان يقدم تعليقات ويفسر نفسه. وفي حالة آدم في الجنة هذا بالضبط ما حدث. حيث يستخدم الكتاب المقدس لغة عهديّة في بعض الأحيان عندما ينظر للماضي حيث دعوة آدم في عدن ويستخدم لغة تبرر مصطلح “الأعمال” لوصف طبيعة هذا العهد. ببساطة لمجرد أن عبارة “عهد الأعمال” غير موجودة في التكوين 1 – 2 هذا لا يعني أن المفهوم غائب وغير موجود. فعهد الأعمال هو التكليف الرئيسي لآدم من الله في عدن لكي يتسلط على كل الخليقة والتي كانت بطبيعة الحال تحت رباط وقسم وحكم وقانون عهدي (اقرأ إرميا 5: 22، أيوب 38: 33). فكل الخليقة وُضعت تحت عهد وقوانين. وهذا شمل على الأرض نفسها، وكذلك الملائكة. فالفكرة الرئيسية هي أن الإنسان باعتباره حامل لصورة الله قد أُعطي سلطان على الممالك الأرضية. لذا فعهد الأعمال لآدم كان ببساطة جزءً من هذا العهد الأكبر الذي ربط كل الخليقة. وهذه الحقائق تصطدم بشكل رئيسي في تكوين 3 حين جاءت الحية وحواء للعصف بشريعة الله، أي عهده. ولهذا فكل إنسان اليوم إما واقع تحت لعنة كسر آدم لعهد الأعمال أو داخل عهد النعمة بعمل المسيح.[1]

د. ق. شريف جندي

 

[1]  جزء كبير من هذه المقالة مترجم من

http://www.rbap.net/a-typical-objection-to-the-covenant-of-works

130520-covenant-works

معمودية الأطفال في العهد الجديد

يوجد جدل كبير بين المؤمنين حول ما إذا كانت معمودية الأطفال هي أمر كتابي في إطار العهد الجديد أم أن المعمودية هي فقط للكبار بعد الاعتراف بإيمانهم بالمسيح علناً. والبحث في هذه القضية يتطلب مساحة كبيرة من الكتابة، لذا سوف أركز على 9 عوامل أساسية تستدعي اهتمامنا ونحن نفكر في هذه القضية.

1- بعد سقوط الإنسان في الخطية وكسر أدم لعهد الأعمال الذي صنعه الله معه في تكوين 1 – 2 أقام الله عهد النعمة في تكوين 3. وقد دعانا الله إلى عهد النعمة، وبالرغم من أنه لن يثابر كل أعضاء هذا العهد حتى النهاية (ذلك لأن ليس الجميع مختارين للحياة الأبدية ولم يتم تجديدهم)، إلا أنهم يتمتعون بمزايا وامتيازات تخص جماعة العهد. كان هذا الأمر صحيحاً بالنسبة لإسرائيل في العهد القديم، والعهد الجديد يطبّق هذا على كنيسة العهد الجديد أيضا (تثنية 4: 20، 28: 9، إشعياء 10: 22، هوشع 2: 23، رومية 9: 24 – 28، غلاطية 6: 16، عبرانيين 4: 1 – 11، 6: 4 – 12، 1 بطرس 2: 9 – 10).

2- على الرغم من أن تنشئة الفرد في حماية أمانة الله العهدية لا تضمن أن يمتلك هذا الشخص الحق، أي الإيمان المثابر (عبرانيين 4: 1 – 11)، إلا أن ذلك لا يعني عدم أهمية إعطاء أبناء المؤمنين ختم العهد، أي المعمودية.

3- كنيسة العهد القديم وكنيسة العهد الجديد هم في الجوهر نفس الكنيسة. مثل اليرقة والفراشة، مختلفين جداً في الشكل، لكنهم من نفس الجوهر.

فكلاهما له نفس طريق الخلاص. رومية 4: 13 “فَإِنَّهُ لَيْسَ بِالنَّامُوسِ كَانَ الْوَعْدُ لإِبْرَاهِيمَ أَوْ لِنَسْلِهِ أَنْ يَكُونَ وَارِثًا لِلْعَالَمِ، بَلْ بِبِرِّ الإِيمَانِ.”

كلاهما يتطلع إلى نفس المخلص. رومية 3: 20 – 26 “وَأَمَّا الآنَ فَقَدْ ظَهَرَ بِرُّ اللهِ بِدُونِ النَّامُوسِ، مَشْهُودًا لَهُ مِنَ النَّامُوسِ وَالأَنْبِيَاءِ، …، مِنْ أَجْلِ الصَّفْحِ عَنِ الْخَطَايَا السَّالِفَةِ بِإِمْهَالِ اللهِ. لإِظْهَارِ بِرِّهِ فِي الزَّمَانِ الْحَاضِرِ، لِيَكُونَ بَارًّا وَيُبَرِّرَ مَنْ هُوَ مِنَ الإِيمَانِ بِيَسُوعَ.” في زمن العهد القديم، خَلُص الناس بالثقة في العمل الكفاري الذي سيتممه الله في المسيح. اليوم يخلص الناس بالثقة في العمل الكفاري الذي تممه الله في المسيح.

كلاهما تحت نفس العلاقة العهدية. غلاطية 3: 7 – 29 “اعْلَمُوا إِذًا أَنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنَ الإِيمَانِ أُولئِكَ هُمْ بَنُو إِبْرَاهِيمَ. وَالْكِتَابُ إِذْ سَبَقَ فَرَأَى أَنَّ اللهَ بِالإِيمَانِ يُبَرِّرُ الأُمَمَ، سَبَقَ فَبَشَّرَ إِبْرَاهِيمَ أَنْ «فِيكَ تَتَبَارَكُ جَمِيعُ الأُمَمِ». إِذًا الَّذِينَ هُمْ مِنَ الإِيمَانِ يَتَبَارَكُونَ مَعَ إِبْرَاهِيمَ الْمُؤْمِنِ… اَلْمَسِيحُ افْتَدَانَا مِنْ لَعْنَةِ النَّامُوسِ، إِذْ صَارَ لَعْنَةً لأَجْلِنَا، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: «مَلْعُونٌ كُلُّ مَنْ عُلِّقَ عَلَى خَشَبَةٍ». لِتَصِيرَ بَرَكَةُ إِبْرَاهِيمَ لِلأُمَمِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، لِنَنَالَ بِالإِيمَانِ مَوْعِدَ الرُّوحِ… فَإِنْ كُنْتُمْ لِلْمَسِيحِ، فَأَنْتُمْ إِذًا نَسْلُ إِبْرَاهِيمَ، وَحَسَبَ الْمَوْعِدِ وَرَثَةٌ.”

كلاهما أعضاء لنفس الجسد. أفسس 2: 11 – 19 “لِذلِكَ اذْكُرُوا أَنَّكُمْ أَنْتُمُ الأُمَمُ قَبْلاً فِي الْجَسَدِ، الْمَدْعُوِّينَ غُرْلَةً مِنَ الْمَدْعُوِّ خِتَانًا مَصْنُوعًا بِالْيَدِ فِي الْجَسَدِ، أَنَّكُمْ كُنْتُمْ فِي ذلِكَ الْوَقْتِ بِدُونِ مَسِيحٍ، أَجْنَبِيِّينَ عَنْ رَعَوِيَّةِ إِسْرَائِيلَ، وَغُرَبَاءَ عَنْ عُهُودِ الْمَوْعِدِ، لاَ رَجَاءَ لَكُمْ، وَبِلاَ إِلهٍ فِي الْعَالَمِ. وَلكِنِ الآنَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، أَنْتُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ قَبْلاً بَعِيدِينَ، صِرْتُمْ قَرِيبِينَ بِدَمِ الْمَسِيحِ… فَلَسْتُمْ إِذًا بَعْدُ غُرَبَاءَ وَنُزُلاً، بَلْ رَعِيَّةٌ مَعَ الْقِدِّيسِينَ وَأَهْلِ بَيْتِ اللهِ.”

كلاهما “أغصان” في نفس شجرة الزيتون. رومية 11: 17 – 26. يعلن الرسول بولس أن إسرائيل ككل لم يُحرم أو يُقطع من خطة الله، ولكن اليهود الغير المؤمنين قد قُطعوا من شجرة الزيتون الخاصة بهم، وأغصان الأمم قد طُعّموا في مكانهم، ويتنبأ عن وقت سيجدد فيه الله العديد من اليهود ويُطعمهم مرة أخرى في نفس الشجرة مع الأمم المؤمنين.

لأن كنيسة العهد القديم وكنيسة العهد الجديد هم في الجوهر نفس الكنيسة، لذلك في بعض الأحيان يتبادلون الأسماء. فمن ناحية، يدعو الكتاب المقدس إسرائيل العهد القديم “الكنيسة”. “الكنيسة” [إكليسيا] هي الكلمة اليونانية في العهد الجديد للكلمة العبرية في العهد القديم “الجماعة” [قاهال] (قارن مزمور 22: 22 مع عبرانيين 2: 12). لذلك دعا استفانوس جماعة إسرائيل عند جبل سيناء “الكنيسة في البرية” في أعمال الرسل 7: 38.

من ناحية أخرى، يدعو الكتاب المقدس كنيسة العهد الجديد “إسرائيل” في غلاطية 6: 16. يستخدم الرسول بطرس مصطلحات غنية لإسرائيل العهد القديم للإشارة لكنيسة العهد الجديد. 1 بطرس 2: 9 “وَأَمَّا أَنْتُمْ فَجِنْسٌ مُخْتَارٌ، وَكَهَنُوتٌ مُلُوكِيٌّ، أُمَّةٌ مُقَدَّسَةٌ، شَعْبُ اقْتِنَاءٍ.” يصف الرسول بولس جميع الذين يتكلون على المسيح وحده باسم “الختان الحقيقي” في فيلبي 3: 3. يدعو يعقوب الكنيسة المحلية “مجمع” في يعقوب 2: 2. و”شيوخ” كنيسة العهد الجديد متطابقين في الاسم والوظيفة مع الذين من مجمع العهد القديم.

لذلك فإن كنيسة العهد القديم وكنيسة العهد الجديد هم في الجوهر نفس الكنيسة.

4- يضم الله أبناء المؤمنين كأعضاء في هذه الكنيسة.

يتساءل البعض أحيانا لماذا نعتبر أطفال المؤمنين أعضاءً في الكنيسة. والسبب هو أن الله الحي نفسه قبل أطفال المؤمنين كأعضاء في كنيسته. تكوين 17: 7 “وَأُقِيمُ عَهْدِي بَيْنِي وَبَيْنَكَ، وَبَيْنَ نَسْلِكَ مِنْ بَعْدِكَ فِي أَجْيَالِهِمْ، عَهْدًا أَبَدِيًّا، لأَكُونَ إِلهًا لَكَ وَلِنَسْلِكَ مِنْ بَعْدِكَ.”

فالله لم يلغي مبدأ أن أطفال المؤمنين هم أعضاء في الكنيسة في أي مكان. هذا أمر مهم جدا. فالبعض يبني رأيه على افتراض غير موجود في العهد الجديد بأن أطفال المؤمنين ليسوا أعضاء في الكنيسة. فعندما نقرأ العهد الجديد نجد عكس ذلك تماما! حيث يتفق العهد الجديد مع العهد القديم في استمرار جعل أطفال المؤمنين ضمن الكنيسة.

أقر ربنا يسوع المسيح أن أطفال المؤمنين هم جزء من كنيسته. لوقا 18: 15 – 16 “فَقَدَّمُوا إِلَيْهِ الأَطْفَالَ أَيْضًا لِيَلْمِسَهُمْ، فَلَمَّا رَآهُمُ التَّلاَمِيذُ انْتَهَرُوهُمْ. أَمَّا يَسُوعُ فَدَعَاهُمْ وَقَالَ: «دَعُوا الأَوْلاَدَ يَأْتُونَ إِلَيَّ وَلاَ تَمْنَعُوهُمْ، لأَنَّ لِمِثْلِ هؤُلاَءِ مَلَكُوتَ اللهِ.”

وأقر الرسول بطرس أيضا أن أطفال المؤمنين هم ضمن الكنيسة. أعمال الرسل 2: 39 “لأَنَّ الْمَوْعِدَ هُوَ لَكُمْ وَلأَوْلاَدِكُمْ…” انعكاسا لتكوين 17: 7! كان بطرس يتحدث إلى اليهود المنغمسين في العهد القديم. إن كان بطرس قد قصد أن يُعلّم أن الله قد ألغى مبدأ عضوية أطفال العهد في الكنيسة، فهو قد اختار لغة غير صحيحة تماما!

وقد يعترض البعض أن بطرس لم يكن يتحدث عن الوعد لإبراهيم. بل كان يتحدث عن وعد الروح القدس (أعمال الرسل 2: 38). لننظر لغلاطية 3: 14 “لِتَصِيرَ بَرَكَةُ إِبْرَاهِيمَ لِلأُمَمِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، لِنَنَالَ بِالإِيمَانِ مَوْعِدَ الرُّوحِ.” فالوعد لإبراهيم ينطوي على موعد الروح. وهكذا يقول بطرس أن الوعد لإبراهيم هو لكم ولأولادكم الآن في زمن العهد الجديد!

وبالمثل يقر الرسول بولس أن أطفال المؤمنين هم ضمن الكنيسة. فلو كان يحاول أن يُعلّم أن الله لم يعد يقبل أطفال العهد في الكنيسة، فهو إذن قد استخدم عبارة خاطئة تماما في أعمال الرسل 16: 31 “آمِنْ [مفرد] بِالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ فَتَخْلُصَ [مفرد] أَنْتَ [مفرد] وَأَهْلُ بَيْتِكَ.”

في 1 كورنثوس 7: 14، يقر بولس أن الله يشمل الأطفال في جماعة العهد الخاصة به، أي الكنيسة. “لأَنَّ الرَّجُلَ غَيْرَ الْمُؤْمِنِ مُقَدَّسٌ فِي الْمَرْأَةِ، وَالْمَرْأَةُ غَيْرُ الْمُؤْمِنَةِ مُقَدَّسَةٌ فِي الرَّجُلِ. وَإِلاَّ فَأَوْلاَدُكُمْ نَجِسُونَ، وَأَمَّا الآنَ فَهُمْ مُقَدَّسُونَ.” كلمة “مقدس” هي كلمة عهدية، حيث تعني “تكريس أو تخصيص”. فأطفال حتى مؤمن واحد أو مؤمنة واحدة هم “مقدسون”، أي مخصصون ومكرسون بطريقة خاصة الى الله.

في أفسس 1: 1 يعلن بولس أنه يكتب رسالته “إِلَى الْقِدِّيسِينَ الَّذِينَ فِي أَفَسُسَ”. كلمة “قديسين” تأتي من كلمة “مقدس”. “القديسين” تعني حرفيا “المقدسين”. وفي أفسس 6: 1 يخاطب بولس بعض من هؤلاء “المقدسين” مباشرة حيث كانوا جزءً من الكنيسة في أفسس “أَيُّهَا الأَوْلاَدُ، أَطِيعُوا وَالِدِيكُمْ فِي الرَّبِّ لأَنَّ هذَا حَقٌّ.”

ففي حين أن أبناء غير المؤمنين غير مقدسين، أبناء المؤمنين مكرسين لله. هذا التمييز ليس فقط في العهد القديم (لاحظ الفصح، خروج 12: 42 – 51؛ أيضا التمييز بين “بيت الأشرار” و”بيت الصديقين” خصوصا في المزامير) ولكنه مستمر في العهد الجديد، حيث أن أبناء المؤمن مقدسين (1 كورنثوس 7: 14، 10: 2). كيف تميزوا إذن عن غير المؤمنين؟ بعلامة وختم العهد.

لهذا نرى أن أطفال المؤمنين هم جزء من الكنيسة. قد ضمّهم الله نفسه كأعضاء في العهد القديم، ولم يغير الله مبدأ “أنت ونسلك” أبداً. بالأحرى، يؤكد العهد الجديد على ذلك ويستمر فيه.

5– في زمن العهد القديم نال أطفال المؤمنين علامة الختان لأنهم كانوا أعضاءً في الكنيسة. فكما أشتمل عهد النعمة في العهد القديم على الأطفال من خلال فريضة الختان، كذلك أيضا العهد الجديد. فلم يتغير الله في مقاصده الصالحة تجاه أطفالنا (تكوين 17: 10 – 12، إشعياء 54: 13، أعمال الرسل 2: 39).

6- في زمن العهد الجديد اتخذ الله علامة الختان واستبدلها بالمعمودية.

أولاً، وضع ربنا يسوع المسيح المعمودية في مكان الختان كفريضة للانضمام للكنيسة المنظورة.

ففي العهد القديم، كلما تحول شخص ما لليهودية، كان عليه أن ينال الختان كفريضة الانضمام إلى الكنيسة. ولكن عندما أعطى المسيح المأمورية العظمى، موصيا تلاميذه أن يذهبوا إلى العالم أجمع ويتلمذوا جميع الأمم، قال لكنيسته أن تعمد المجددين بدلا من ختانهم. وبالتالي، وضع المسيح المعمودية في مكان الختان (متى 28: 19).

ثانياً، تعلم كلمة الله أن الختان والمعمودية يشتركان في نفس المعنى الروحي الأساسي. يظن البعض أن الختان كان علامة وطنية، بينما في المقابل المعمودية هي علامة روحية. لكن ماذا تقول كلمة الله؟

تثنية 30: 6 “وَيَخْتِنُ الرَّبُّ إِلهُكَ قَلْبَكَ وَقَلْبَ نَسْلِكَ، لِكَيْ تُحِبَّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ لِتَحْيَا.” وبعبارة أخرى، يرمز الختان للتجديد، أي الولادة الجديدة!

يخبرنا إرميا 4: 4 أن الختان كان أيضا علامة على التجديد، أي التوبة والإيمان. “اِخْتَتِنُوا لِلرَّبِّ وَانْزِعُوا غُرَلَ قُلُوبِكُمْ يَا رِجَالَ يَهُوذَا وَسُكَّانَ أُورُشَلِيمَ، لِئَلاَّ يَخْرُجَ كَنَارٍ غَيْظِي، فَيُحْرِقَ وَلَيْسَ مَنْ يُطْفِئُ، بِسَبَبِ شَرِّ أَعْمَالِكُمْ.”

في رومية 2 :28 – 29 نقرأ “لأَنَّ الْيَهُودِيَّ فِي الظَّاهِرِ لَيْسَ هُوَ يَهُودِيًّا، وَلاَ الْخِتَانُ الَّذِي فِي الظَّاهِرِ فِي اللَّحْمِ خِتَانًا، بَلِ الْيَهُودِيُّ فِي الْخَفَاءِ هُوَ الْيَهُودِيُّ، وَخِتَانُ الْقَلْبِ بِالرُّوحِ لاَ بِالْكِتَابِ هُوَ الْخِتَانُ، الَّذِي مَدْحُهُ لَيْسَ مِنَ النَّاسِ بَلْ مِنَ اللهِ.” مرة أخرى نرى أن الختان كان علامة على التجديد، أي الولادة الجديدة. لكن الختان لم يُخلص تلقائيا. بل في العهد القديم كان مطلوبا الإيمان الشخصي بخلاص الله، تماما كما هو الحال في العهد الجديد.

يتحدث بولس عن إبراهيم في رومية 4: 11 قائلا “وَأَخَذَ عَلاَمَةَ الْخِتَانِ خَتْمًا لِبِرِّ الإِيمَانِ الَّذِي كَانَ فِي الْغُرْلَةِ، لِيَكُونَ أَبًا لِجَمِيعِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ وَهُمْ فِي الْغُرْلَةِ، كَيْ يُحْسَبَ لَهُمْ أَيْضًا الْبِرُّ.” هنا نرى أن الختان هو علامة وختم للخلاص، أي التبرير بالإيمان وحده.

لذلك كتب بولس في فيلبي 3: 3 “لأَنَّنَا نَحْنُ الْخِتَانَ، الَّذِينَ نَعْبُدُ اللهَ بِالرُّوحِ، وَنَفْتَخِرُ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، وَلاَ نَتَّكِلُ عَلَى الْجَسَدِ.” فمن يتكلون على المسيح كمخلص، لهم في الواقع ما كان يرمز له الختان، بحيث أنهم هم فقط يعتبرهم الله قد نالوا الختان الحقيقي الآن حيث بدأ زمن العهد الجديد.

وهكذا رأينا أولاً أن ربنا يسوع المسيح وضع المعمودية في مكان الختان كفريضة الانضمام إلى الكنيسة. وثانياً، يعلمنا الكتاب المقدس أن الختان والمعمودية يشتركان في نفس المعنى الروحي الأساسي.

ثالثاً، العهد الجديد يوازي صراحة بين الختان والمعمودية، لدرجة أنه يستخدمهم بالتبادل! على سبيل المثال، يربط كولوسي 2: 11 – 12 بقوة الختان بالمعمودية لدرجة أنه يطابقهم “وَبِهِ [المسيح] أَيْضًا خُتِنْتُمْ خِتَانًا غَيْرَ مَصْنُوعٍ بِيَدٍ، بِخَلْعِ جِسْمِ خَطَايَا الْبَشَرِيَّةِ، بِخِتَانِ الْمَسِيحِ. مَدْفُونِينَ مَعَهُ فِي الْمَعْمُودِيَّةِ، الَّتِي فِيهَا أُقِمْتُمْ أَيْضًا مَعَهُ بِإِيمَانِ عَمَلِ اللهِ، الَّذِي أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ.” وبعبارة أخرى، معموديتك هي ختانك المسيحي. فالعهد الجديد يربط بلا انفصال بين الختان والمعمودية. فما جمعه الله لا يجب على أي إنسان أن يفرقه.

لهذا نخلص أن المعمودية للعهد الجديد هي ما كانه الختان للعهد القديم. ولهذا فاعتراض البعض على معمودية الأطفال ينطبق أيضاً ضد ختان الأطفال. في حين أمر الله بختان الأطفال!

7– لأن كنيسة العهد القديم وكنيسة العهد الجديد هم في الجوهر نفس الكنيسة؛

ولأن الله يضم أبناء المؤمنين كأعضاء في هذه الكنيسة؛

ولأن في زمن العهد القديم نال أطفال المؤمنين علامة الختان لأنهم كانوا أعضاءً في الكنيسة؛

ولأن في زمن العهد الجديد اتخذ الله علامة الختان واستبدلها بالمعمودية؛

لذلك، في زمن العهد الجديد أطفال المؤمنين، لأنهم أعضاء في الكنيسة، يجب أن ينالوا علامة المعمودية.

وقد يعترض البعض قائلاً إن المسيح قد أبطل هذا في مرقس 16: 16 “مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ، وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ يُدَنْ.” فالاعتراض هو أنه بما أن الأطفال لا يستطيعون أن يؤمنوا لذلك لم يجب أن يعتمدوا.

أولاً، هذا الاعتراض يجب أن ينطبق أيضا على ختان الأطفال. في الواقع أمر الله إبراهيم أن يؤمن ثم يُختتن. فالإيمان الشخصي كان ضرورة للخلاص في العهد القديم كما هو الحال في العهد الجديد. كان على الكبار المتحولين إلى اليهودية أن يؤمنوا أولا ثم ينالوا الختان. ومع ذلك أمر الله بختان الأطفال!

ثانياً، يمكنك أن ترى أن هذا الاعتراض مخطئ لأنه يفترض ما هو غير حقيقي. فحجة الاعتراض الأساسية هي أنه بسبب عدم قدرة الأطفال على الإيمان فلا يجب أن ينالوا المعمودية. ومع ذلك، إذا قمنا بتطبيق هذا المنطق نفسه على بقية الآية، سنضطر إلى استنتاج أنه بسبب عدم قدرة الأطفال على الإيمان فلا يمكن أن يخلصوا أيضا. فهذا الاعتراض لا يمنع فقط المعمودية عن الأطفال لكنه يمنعهم أيضا من السماء.

ثالثاً، تستطيع أن ترى المغالطة في هذا الاعتراض إذا قمت بتطبيق هذا المنطق نفسه على آيات آخرى. مثلا 2 تسالونيكي 3: 10 “فَإِنَّنَا أَيْضًا حِينَ كُنَّا عِنْدَكُمْ، أَوْصَيْنَاكُمْ بِهذَا: «أَنَّهُ إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُرِيدُ أَنْ يَشْتَغِلَ فَلاَ يَأْكُلْ أَيْضًا».” إذا كان هذا المنطق صحيح، لذا لابد من القول إنه بما أن الأطفال لا يستطيعون العمل، بالتالي لا يجب أن يأكلوا! لذلك تطبيق 2 تسالونيكي 3: 10 على الأطفال بهذه الطريقة هو خروج واضح للنص عن سياقه. وهذا بالضبط هو الحال في مرقس 16: 16! فمرقس 16: 16 هي وصية للكرازة للبالغين الغير معمدين. فالبالغ الغير معمد يجب أن يعترف بإيمانه قبل أن ينال المعمودية. كان هذا صحيحا في العهد القديم مع الختان، وهذا صحيح في العهد الجديد مع المعمودية.

قد يعترض البعض الآخر بأنه لا يوجد وصية في الكتاب المقدس مباشرة أو صريحة لتعميد أطفال المؤمنين. هذا صحيح حقا. ومع ذلك، كما رأينا، فإن المبدأ الإلهي “أنت ونسلك” واضح جدا في الكتاب المقدس. حيث يعلن هذا المبدأ بشكل ضمني أو غير مباشر معمودية أطفال المؤمنين. فإن لم يكن ينبغي معمودية أطفال المؤمنين، ما نحتاجه حقا هو وصايا كتابية بشأن عدم نوال الأطفال على علامة العهد. ولا يوجد وصايا بهذا الشكل! على النقيض، كما رأينا، يقر العهد الجديد بمبدأ “أنت ونسلك”. في ضوء هذا المبدأ، انظر لهذه الأمثلة للمعموديات في العهد الجديد:

أعمال الرسل 15: 16 “… فَلَمَّا اعْتَمَدَتْ هِيَ وَأَهْلُ بَيْتِهَا…”

أعمال الرسل 16: 33 “فَأَخَذَهُمَا فِي تِلْكَ السَّاعَةِ مِنَ اللَّيْلِ وَغَسَّلَهُمَا مِنَ الْجِرَاحَاتِ، وَاعْتَمَدَ فِي الْحَالِ هُوَ وَالَّذِينَ لَهُ أَجْمَعُونَ.”

1 كورنثوس 1: 16 “وَعَمَّدْتُ أَيْضًا بَيْتَ اسْتِفَانُوسَ…”

كيف فهم المسيحيين الأوائل والذين كان معظمهم من اليهود المنغمسين في أسفار العهد القديم هذه الآيات؟ لم تقل كلمة الله في أي مكان أن أهالي البيوت هذه لم تشمل على أطفال. في الواقع، العقلية اليهودية تفترض على الفور أنها شملت على أطفال! إن لم يكن قد أُعطيت علامة العهد لأطفال العهد، ألم يكن هذا قد سبب ارتباكا هائلا في الكنيسة الأولى؟ ألم يكن هناك حاجة للمؤمنين الأوائل لتعليمات على عكس ذلك، كما كان الأمر بشأن العديد من المشاكل الأخرى؟ لماذا، إذن، لا نجد أي تعليمات؟ هذا لا معنى له … ما لم يكن قد واصل الله فعلا في طريقة ربط المؤمنين بأطفالهم!

8– هناك سجل متواصل في تاريخ الكنيسة يدعم ممارسة معمودية الأطفال، بدءً من الأجيال الأولى. كان سيكون هناك بالتأكيد جدلا كبيرا إذا انصرف خلفاء الرسل عن الممارسة الرسولية لهذه النقطة الحيوية. ومع ذلك لا يوجد أي سجل من هذا القبيل. بالإضافة إلى ذلك، لم يعترض المصلحين الأوائل مثل مارتن لوثر وجون كلفن على ممارسة معمودية الأطفال حين أصلحوا تعاليم الكنيسة وممارستها في ضوء تعاليم كلمة الله وسلطانها. فقد اشتمل إصلاحهم على نواحي عديدة من الممارسات والفرائض الكنسية بما فيها فريضة العشاء الرباني. وأيضا قاموا بإصلاح مفهوم فريضة المعمودية وعلاقتها بالخلاص. ولكنهم أبقوا على معمودية الأطفال لأنها كانت في وجهة نظرهم كتابية. فلو لم تكن كتابية لما أبقى عليها لوثر واعتمدها كلفن وغيرهم من المصلحين.

9- إذا كانت المعمودية هي شهادة لإخلاص المؤمن للعهد، فإنه لن تكون قابلة للتطبيق لأولئك الذين ليس لديهم إخلاصا ليقدموه. ولكن المعمودية هي كلمة الله، ليست من البشر. إنها ليست في المقام الأول علامة على التزام المؤمن تجاه الله (على الرغم من أنها تنطوي بالتأكيد على ذلك) ولكنها التزام الله ليدعو لنفسه شعبا. لأن الخلاص هو بالنعمة وحدها، حيث يعمل الله في الخلاص قبل أي اختيار أو عمل بشري (رومية 9: 12 – 16). معمودية الأطفال هي شهادة إلهية لنعمة الله. وبالتالي، فإنها تُلزم أولئك الذين تعمدوا أن يظلوا أمناء للعهد ولكنها لا تجعل أمانتهم شرطاً أساسياً لانضمامهم للعهد.

الخلاصة:

في ضوء هذه الأدلة الكثيرة لمقارنة آيات بآيات في الكتاب المقدس نرى أن معمودية الأطفال كتابية حيث أعلن الله أنه يريد أن تتسع كنيسته عبر المكان من خلال تجديد الأمم وعبر الزمان عن طريق أطفال العهد حيث ينمو جيلا بعد الأخر واثقاً وخادماً للرب.

يتعامل الله مع الأفراد، وكذلك مع الأسر. وهذا لا يعني أن التجديد يحدث تلقائياً. والمعمودية ليست سحرا. فالمعمودية لا تضمن الخلاص كما كان الحال في الختان. الخلاص هو بالنعمة وحدها بالإيمان وحده في المسيح وحده.

وهذا يضع مسؤولية كبيرة على عاتق الأباء والأمهات المؤمنين. فلا يجب أن نعامل أطفالنا بشكل محايد إلى أن يصلوا لسن الادراك لكي يتخذوا القرار بأنفسهم. ففي المعمودية قد أعلن الله امتلاكه لأطفالنا. وبالتالي، يجب أن ندرب أطفالنا منذ الصغر على التجاوب بإيمان وطاعة لمسيح العهد.

من ناحية أخرى، يجب على أطفال العهد أن يستجيبوا بالإيمان وطاعة مسيح العهد. يجب أن يثقوا شخصيا في المسيح لأجل الخلاص. إذا لم يقوموا بذلك فسيكون مصيرهم هو الجحيم. واسمحوا لي أن أحذركم: يعلّم الكتاب المقدس أن أبشع مكان في الجحيم محجوز لأولئك الذين ذاقوا الموهبة السماوية ثم تحولوا بعيداً عنها. ففي معمودية أطفالنا يعلن الرب أنهم ملكا له، لذا يريد أن يمتلك على قلوبهم.

اتخذ الله المبادرة ودبّر وتمم خلاص شعبه. يبني الله كنيسته بكلمته وروحه. وقد أعطى الله المعمودية كعلامة وختم وواسطة لتأكيد وعود إنجيله. إنه امتياز للكبار والأطفال. يدعو الله بنعمته الكبار مع أطفالهم كي يحفظوا عهده ويختبروا بركته من جيل إلى جيل. فلنستجب لدعوة الله لنا ولأبنائنا.

د. ق. شريف جندي

 

Image