النقطة الكلفينية الثالثة: الكفارة المحدودة Limited Atonement

Image

ولكي نفهم هذه النقطة ينبغي أن نسترجع النقاط السابقة لأن هذه النقطة مبنية عليها.

لقد اتفقنا أن الإنسان فاسد بشكل كامل وشامل وذلك بسبب سقوط أدم الأول في الخطية واحتساب هذه الخطية لكل الجنس البشري وما ترتب على ذلك من وجود الخطية الأصلية التي يُولد بها كل إنسان. ولهذا فكل إنسان مخلوق بحكم الموت كأجرة الخطية واقع عليه شرعا. وهو عاجز تماما عن خلاص نفسه أو أخذ زمام المبادرة للمصالحة مع الله أو حتى طلب الفداء أو عمل الصلاح الذي يريده الله. ذلك لأن اردته مقيدة بالخطية ولا يستطيع أن يتقدم إلى الله أو يختار الله. فهو ميت بالذنوب والخطايا.

وهذا ما يقودنا للنقطة الثانية وهي الاختيار غير المشروط، وفيها اتفقنا أنه بما إن الإنسان الفاسد لا يستطيع أن يختار الله فالبديل هو أن الله نفسه قد قام باختيار البعض للخلاص والبعض الأخر للهلاك. وهذا الاختيار تم قبل تأسيس العالم. والمعينون للحياة الأبدية في المسيح يعمل الله فيهم بشكل إيجابي حيث يقوم بروحه القدوس بتجديدهم حتى يصبحوا قادرين على الإيمان والثقة في عمل المسيح الكفاري. أما بالنسبة للمعينين للجحيم الأبدي فلا حاجة لله لعمل أي شيء بشكل إيجابي معهم لأنهم بالفعل معينون للهلاك استحقاقا لاحتساب خطية أدم لهم ولما وُلدوا به من خطية أصلية واستحقاقا لخطاياهم الفعلية التي تنبع من الطبيعة الفاسدة فيهم.

وهذا يقودنا للنقطة الثالثة وهي الكفارة المحدودة. ولكي نفهم هذه النقطة ينبغي أن ندرك أولا معنى كلمة كفارة. كلمة كفارة تعني تحديدا المصالحة التي تممها المسيح على الصليب بموته النيابي عن شعبه صانعا فداءً لهم عن خطاياهم. والسؤال الذي يطرح نفسه الأن هو: هل صنع المسيح هذه الكفارة على الصليب من أجل كل البشر جميعا بلا استثناء أم لأجل المعينين للخلاص فقط؟ لو افترضنا أن المسيح قد مات لأجل كل البشر بلا استثناء فسيصبح الله ظالما. ذلك لأنه سيكون قد أخذ أجرة الخطية (وهي الموت) مرتين من بعض البشر (أي المعينين للهلاك). لأنه إن سلمنا أن المسيح مات عن كل البشر ودفع اجرة الخطية عن الكل بما فيهم المعينين للهلاك، ثم في يوم الدينونة سيرسل الله المعينين للهلاك للجحيم كي يدفعوا أجرة خطيتهم. في هذه الحالة سيكون الله قد أخذ أجرة الخطية منهم مرتين (مرة بموت المسيح عنهم ومرة بموتهم الأبدي في الجحيم). كما أن هذا الاعتقاد يقلل من شأن وقيمة كفارة المسيح لأنه يجعلها غير كافية كتكفيرًا للخطية لذلك وجب على المعينين للهلاك أن يمضوا للجحيم كي يدفعوا ما لم تتممه كفارة المسيح عنهم في الصليب. وفي هذا إهانة شديدة للمسيح ولكفارة المسيح. ومن يؤمن بأن المسيح مات لأجل كل البشر اعتقادا منهم أنه بذلك لا يجعلها محدودة هو في الواقع يجعلها محدودة جدا في تأثيرها وفاعليتها لأنها ستصبح حينئذ غير كافية للتكفير عن المعينين للهلاك لذلك سيمضوا في النهاية للجحيم.

لذلك فالبديل المنطقي والذي يقدمه الكتاب المقدس هو الكفارة المحدودة. وكلمة محدودة لا يُقصد بها الفاعلية أو القوة لكن الهدف. بمعنى أن هدف التكفير هو محدود فقط لخلاص وفداء المعينين للأبدية في المسيح. وهناك شواهد كتابية كثيرة توضح أن المسيح مات من اجل شعبه فقط (أي المعينين للخلاص) وليس من أجل كل البشر. مثلا “لأَنَّ هذَا هُوَ دَمِي الَّذِي لِلْعَهْدِ الْجَدِيدِ الَّذِي يُسْفَكُ مِنْ أَجْلِ كَثِيرِينَ لِمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا.” مت 26: 28. لم يقل المسيح “من أجل الكل” لكن “من أجل كثيرين” وكلمة كثيرين لا تعني الكل بلا استثناء لكن تعني عدد معين دون الكل. ونفس الفكرة نجدها في إشعياء 53: 12 حيث يقول النبي عن موت وصلب المسيح “وَهُوَ حَمَلَ خَطِيَّةَ كَثِيرِينَ وَشَفَعَ فِي الْمُذْنِبِينَ.” “أَنَا هُوَ الرَّاعِي الصَّالِحُ، وَالرَّاعِي الصَّالِحُ يَبْذِلُ نَفْسَهُ عَنِ الْخِرَافِ.” “كَمَا أَنَّ الآبَ يَعْرِفُنِي وَأَنَا أَعْرِفُ الآبَ. وَأَنَا أَضَعُ نَفْسِي عَنِ الْخِرَافِ.” يوحنا 10: 11، 15. وهنا المسيح يقول عن نفسه أنه يبذل نفسه عن “الخراف” وليس عن الخراف والجداء. أي عن المعينين للخلاص وليس عن كل البشر. ومتى 25: 32 – 33 توضح الفرق بين الخراف والجداء “وَيَجْتَمِعُ أَمَامَهُ جَمِيعُ الشُّعُوبِ، فَيُمَيِّزُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ كَمَا يُمَيِّزُ الرَّاعِي الْخِرَافَ مِنَ الْجِدَاءِ، فَيُقِيمُ الْخِرَافَ عَنْ يَمِينِهِ وَالْجِدَاءَ عَنِ الْيَسَارِ.” ونجد المسيح في صلاته الشفاعية يطلب من اجل المختارين المعينين للخلاص وليس من أجل كل البشر “مِنْ أَجْلِهِمْ أَنَا أَسْأَلُ. لَسْتُ أَسْأَلُ مِنْ أَجْلِ الْعَالَمِ، بَلْ مِنْ أَجْلِ الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي لأَنَّهُمْ لَكَ.” يوحنا 17: 9. “اِحْتَرِزُوا اِذًا لأَنْفُسِكُمْ وَلِجَمِيعِ الرَّعِيَّةِ الَّتِي أَقَامَكُمُ الرُّوحُ الْقُدُسُ فِيهَا أَسَاقِفَةً، لِتَرْعَوْا كَنِيسَةَ اللهِ الَّتِي اقْتَنَاهَا بِدَمِهِ.” أعمال 20: 28 وهنا يقول بولس بوضوح أن الله قد اشترى أو اقتنى (بموت ابنه على الصليب) الكنيسة بدمه وليس كل البشر. ونفس الفكرة يشدد عليها بولس بقوله “أَيُّهَا الرِّجَالُ، أَحِبُّوا نِسَاءَكُمْ كَمَا أَحَبَّ الْمَسِيحُ أَيْضًا الْكَنِيسَةَ وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِهَا، لِكَيْ يُقَدِّسَهَا، مُطَهِّرًا إِيَّاهَا بِغَسْلِ الْمَاءِ بِالْكَلِمَةِ، لِكَيْ يُحْضِرَهَا لِنَفْسِهِ كَنِيسَةً مَجِيدَةً، لاَ دَنَسَ فِيهَا وَلاَ غَضْنَ أَوْ شَيْءٌ مِنْ مِثْلِ ذلِكَ، بَلْ تَكُونُ مُقَدَّسَةً وَبِلاَ عَيْبٍ.” أفسس 5: 25 – 27. فالمسيح مات لأجل شعبه لأنه يحب خاصته (وليس كل البشر) الذين في العالم “إِذْ كَانَ قَدْ أَحَبَّ خَاصَّتَهُ الَّذِينَ فِي الْعَالَمِ، أَحَبَّهُمْ إِلَى الْمُنْتَهَى.” يوحنا 13: 1.

 

Image

وختامًا أضع امامكم الاحتمالات الأربعة للرد على سؤال عمن مات المسيح وقدم كفارة في الصليب.

1- مات المسيح عن كل خطايا كل البشر.

2-  مات المسيح عن كل خطايا بعض البشر.

 3- مات المسيح عن بعض خطايا كل البشر.

 4- مات المسيح عن بعض خطايا بعض البشر.

 أعتقد أن كل المسيحين يستبعدون الاحتمالين الثالث والرابع. وأغلب المسيحين يؤمنون بالاحتمال الأول. ولو افترضا جدلا الاحتمال الأول وهو أن المسيح مات لأجل كل خطايا كل البشر. فالنتيجة المنطقية هي أن كل البشر قد دفع المسيح عنهم ثمن خطاياهم وهو الموت ولذلك فهم أبرارا في نظر الله ويستحقون الحياة الأبدية في المسيح. ولكننا نعلم أن هذا ليس هو الحال لأنه يسكون هناك بشر خطاة في الجحيم يدفعون ثمن خطاياهم في الأبدية في الهلاك. والبعض يقول إنهم في الجحيم لأنهم لم يقبلوا الكفارة التي دفعها المسيح عنهم. والسؤال هنا هو: هل رفض كفارة المسيح تُعد خطية أم لا؟ هل رفض المسيح وعمله الفدائي هو خطية أم لا؟ أعتقد أننا جميعا نتفق أنه خطية. فإن كان رفض المسيح وكفارته هو خطية فهل مات المسيح عنها أم لا؟ لأننا بحسب الاحتمال الأول اتفقنا بشكل مبدئي أن المسيح مات عن كل خطايا كل البشر. فإما أن المسيح مات عن خطية رفض البعض له ولهذا فهم يتعذبون في الجحيم بلا سبب، أو أن المسيح لم يمت عن هذه الخطية ولم يقدم كفارة عنها. وهنا تصبح كفارة المسيح ليست عن كل خطايا كل البشر.

الاحتمال الأصح والأدق هو أن المسيح مات عن كل خطايا بعض البشر. أي عن كل خطايا شعبه المعينين للخلاص. وهناك من الشواهد الكتابية كما ذُكر اعلاه وغيره كثيرا ما يؤكد هذا الحق الكتابي.

د. ق. شريف جندي

 

 Image

النقطة الكلفينية الثانية: الإختيار المطلق غير المشروط Unconditional Election

Image

النقطة الثانية في النقاط الخمسة الكلفينية هي الاختيار غير المشروط، ولكي نفهم هذه العقيدة ينبغي أن ندرك أربعة أشياء:

 1- معنى الاختيار:

تعلمنا من النقطة الأولى “الفساد الشامل للإنسان” أن الإنسان غير قادر على اختيار الصلاح أو قبول الخلاص لأن إرادته مقيدة بالخطية. وبالتالي هو لا يريد ولا يستطيع أن يقبل الخلاص ما لم يقم الله بعمل تغيير في داخله أولاً. وكي يتم هذا التغيير ينبغي على الله أن يختار من يتمم هذا التغيير فيهم.

فعقيدة الاختيار غير المشروط تنص على أن الله اختار أولئك الذين قرر أن يأتي بهم لمعرفة نفسه، بحسب مسرة مشيئته، وليس على أساس الجدارة أو الاستحقاق التي أبداها أي إنسان قد نال نعمة معرفته، وليس استنادًا إلى معرفة الله المسبقة والتي من خلالها رأي من “سيقبل” الخلاص. بل قد أختار الله، استنادًا فقط على مشورة إرادته الخاصة، البعض للمجد والآخرين للهلاك “إِنِّي أَرْحَمُ مَنْ أَرْحَمُ، وَأَتَرَاءَفُ عَلَى مَنْ أَتَرَاءَفُ”، “أَمْ لَيْسَ لِلْخَزَّافِ سُلْطَانٌ عَلَى الطِّينِ، أَنْ يَصْنَعَ مِنْ كُتْلَةٍ وَاحِدَةٍ إِنَاءً لِلْكَرَامَةِ وَآخَرَ لِلْهَوَانِ؟” (رومية 9: 15، 21). وقد تم هذا الاختيار قبل تأسيس العالم “إِذْ سَبَقَ فَعَيَّنَنَا لِلتَّبَنِّي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ كَمَا اخْتَارَنَا فِيهِ قَبْلَ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ، لِنَكُونَ قِدِّيسِينَ وَبِلاَ لَوْمٍ قُدَّامَهُ فِي الْمَحَبَّةِ، الَّذِي فِيهِ لَنَا الْفِدَاءُ بِدَمِهِ، لِمَدْحِ مَجْدِ نِعْمَتِهِ الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَيْنَا فِي الْمَحْبُوبِ، 6لِنَفْسِهِ، حَسَبَ مَسَرَّةِ مَشِيئَتِهِ، الَّتِي أَجْزَلَهَا لَنَا بِكُلِّ حِكْمَةٍ وَفِطْنَةٍ، غُفْرَانُ الْخَطَايَا، حَسَبَ غِنَى نِعْمَتِهِ” (أفسس 1: 4-8).

هذ العقيدة لا تستبعد، مع ذلك، مسؤولية الإنسان أن يؤمن بالعمل الفادئي لابن الله (يوحنا 3: 16-18). فالكتاب المقدس يقدم لنا هذا الصراع بين سيادة الله في الخلاص، ومسؤولية الإنسان الذي يؤمن. ولا يقدم لنا الكتاب المقدس حلاً لهذا الصراع. فكلاهما أمر صحيح – ومن ينفي مسؤولية الإنسان قد وقع في فخ الكلفينية المفرطة (Hyper-Calvinism) غير الكتابية؛ ومن ينكر سيادة الله قد وقع في فخ الأرمينية غير الكتابية.

والمختارون هم خلصوا كي يعملوا اعمالا صالحة “لأَنَّنَا نَحْنُ عَمَلُهُ، مَخْلُوقِينَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ لأَعْمَال صَالِحَةٍ، قَدْ سَبَقَ اللهُ فَأَعَدَّهَا لِكَيْ نَسْلُكَ فِيهَا.” (أفسس 2: 10).  وهكذا، على الرغم من الأعمال الصالحة لن تعبر الهوة بين الإنسان والله التي تشكلت في السقوط، إلا أن الأعمال الصالحة هي نتيجة لنعمة الله المخلصة. هذا ما يقصده بطرس عندما شجع قرّائه المسيحيين أن يجعلوا “دعوتهم” و”اختيارهم” ثابتين (2 بطرس 1: 10). إن ثمار الأعمال الصالحة هي إشارة على أن الله قد زرع بذور النعمة في التربة الخصبة.

2- معنى “غير المشروط”:

عبارة “غير مشروط” تعني ببساطة إن اختيار الله للمعينين للخلاص لم يكن مشروطًا بعمل ما رآه الله فيهم أو استحقاقا لديهم. بمعنى إنه ليس بناءً على علم الله السابق والذي من خلاله رأي من “سيقبل” الخلاص وقد اختارهم. فالاختيار هنا يصبح اختيارًا مشروطًا بقبول الإنسان للخلاص وبالتالي مشروطًا باستحقاق الإنسان. ولأننا أدركنا من النقطة الأولى “الفساد الشامل للإنسان” أن الإنسان غير قادر على اختيار الله وعلى قبول الخلاص من ذاته.

3- هل الاختيار مزدوج؟

نعم، فالكتاب المقدس يعلمنا أنه كما أختار الله البعض للخلاص، قد عين أيضا الباقين للمصير المحتوم لهم وهو الموت كأجرة للخطية. وهناك نماذج كتابية كثيرة عن أشخاصا قال الله عنهم أنهم معينين “أي مختارين” للهلاك مثل: فرعون حيث قال عنه الكتاب “إِنِّي لِهذَا بِعَيْنِهِ أَقَمْتُكَ، لِكَيْ أُظْهِرَ فِيكَ قُوَّتِي، وَلِكَيْ يُنَادَى بِاسْمِي فِي كُلِّ الأَرْضِ” رومية 9: 17، وهذا اقتباس من خروج 9: 16 “وَلكِنْ لأَجْلِ هذَا أَقَمْتُكَ، لِكَيْ أُرِيَكَ قُوَّتِي، وَلِكَيْ يُخْبَرَ بِاسْمِي فِي كُلِّ الأَرْضِ.” فالله قد أقام “أي عين أو اختار” فرعون ليريه قوته ويعلن له مجده لا لكي يؤمن لأننا ندرك أن فرعون لم يؤمن بالله ومات غرقا في البحر ولكن كي يعلن الله مجده وقدرته للعالم كله من خلال “هلاك” فرعون. نعم قد تمجد الله بهلاك فرعون وجيشه ومركباته “فَأَتَمَجَّدُ بِفِرْعَوْنَ وَكُلِّ جَيْشِهِ، بِمَرْكَبَاتِهِ وَفُرْسَانِهِ.” خر 14: 17. أيضا يهوذا الأسخريوطي قاله عنه المسيح نفسه أنه ابن الهلاك في يوحنا 17: 12. ومعنى عبارة ابن الهلاك أي المعين للهلاك. كذلك قال الله عن يعقوب وعيسو “أحببت يعقوب وأبغضت عيسو” (رومية 9: 13، ملاخي 1: 2-3) وهنا نرى بوضوح أن الله أحب “أي اختار للخلاص” يعقوب وأبغض “أي أختار للهلاك” عيسو. كذلك يقول الكتاب بوضوح أن الله “يُرِيدُ أَنْ يُظْهِرَ غَضَبَهُ وَيُبَيِّنَ قُوَّتَهُ، احْتَمَلَ بِأَنَاةٍ كَثِيرَةٍ آنِيَةَ غَضَبٍ مُهَيَّأَةً لِلْهَلاَكِ” (رومية 9: 22). وكلمة مهيأة تعني معدة أو مختارة.

4- هل نال الغير معينين أو مختارين للخلاص ظلما؟

بالطبع لا، لأن الله عادل وليس فيه ظلمًا البتة. كما أوضحنا من شرح عقيدة الفساد الشامل للإنسان أن أجرة الخطية موت، وبما إن كل الجنس البشري قد سقط بخطية أدم وقد أحتسبت له خطية أدم وذنب أدم وبالتالي يستحقون جميعا عقاب الخطية وهو الموت. لكن رحمة الله قد قررت أن تمنح البعض خلاصا من هذا المصير الأبدي، أي الموت في جهنم. والبعض الأخر سيأخذ ما يستحقه من عقوبة للخطية وهو الموت في الهلاك الأبدي. وبالتالي لم يظلم أحد. البعض رُحم والبعض الأخر نال ما يستحقه. والسؤال الذي يأتي في أذهاننا الأن هو: لماذا اذا لم يعطي الله الرحمة للجميع؟ والإجابة هي أن الله غير ملزم يعطي الرحمة أو أن يتعامل بالرحمة مع الجميع، لكنه ملتزم بأن يتعامل بالعدل مع الجميع. والرحمة في تعريفها هي نعمة مقدمة للبعض وليس للكل وإلا لن تكن رحمة. الذين نالوا الرحمة لم ينالوا العدل الذي يستحقونه بل نالوا النعمة التي لم يستحقوها. والباقي نال ما استحقه وهو العدل.

“فَسَتَقُولُ لِي: «لِمَاذَا يَلُومُ بَعْدُ؟ لأَنْ مَنْ يُقَاوِمُ مَشِيئَتَهُ؟» بَلْ مَنْ أَنْتَ أَيُّهَا الإِنْسَانُ الَّذِي تُجَاوِبُ اللهَ؟ أَلَعَلَّ الْجِبْلَةَ تَقُولُ لِجَابِلِهَا: «لِمَاذَا صَنَعْتَنِي هكَذَا؟» أَمْ لَيْسَ لِلْخَزَّافِ سُلْطَانٌ عَلَى الطِّينِ، أَنْ يَصْنَعَ مِنْ كُتْلَةٍ وَاحِدَةٍ إِنَاءً لِلْكَرَامَةِ وَآخَرَ لِلْهَوَانِ؟ فَمَاذَا؟ إِنْ كَانَ اللهُ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يُظْهِرَ غَضَبَهُ وَيُبَيِّنَ قُوَّتَهُ، احْتَمَلَ بِأَنَاةٍ كَثِيرَةٍ آنِيَةَ غَضَبٍ مُهَيَّأَةً لِلْهَلاَكِ. وَلِكَيْ يُبَيِّنَ غِنَى مَجْدِهِ عَلَى آنِيَةِ رَحْمَةٍ قَدْ سَبَقَ فَأَعَدَّهَا لِلْمَجْدِ” (رومية 9: 19 – 23).

د. ق. شريف جندي

 

Image

النقطة الكلفينية الأولى: الفساد الكلي والشامل Total Depravity

Image

أول النقاط الخمسة الكلفينية هي الفساد الشامل أو الفساد الكليّ:

هذه النقطة توضح أنه عندما سقط أدم الأول في الخطية حدثت على الأقل ثلاثة أشياء كنتيجة لهذه الخطية:

1- تم حسبان خطية أدم الأولى لنسله: أي أصبح كل الجنس البشري ساقط في الخطية ويقف أمام الله مذنبا نتيجة احتساب خطية أدم لهم. فكل الجنس البشري بلا استثناء هو مدان أمام الله بخطية أدم ويستحق الموت الذي هو عقوبة الخطية. لأن اجرة الخطية موت. فالحسبان بهذا المعنى يشمل نسبة جرم خطية آدم الأولى إلينا، فصرنا آثمين أمام الناموس شرعًا وساقطين تحت حكمه بالقصاص. ”مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَأَنَّمَا بِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ دَخَلَتِ الْخَطِيَّةُ إِلَى الْعَالَمِ، وَبِالْخَطِيَّةِ الْمَوْتُ، وَهكَذَا اجْتَازَ الْمَوْتُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ، إِذْ أَخْطَأَ الْجَمِيعُ” (رومية 5: 12). ”فَإِنَّهُ إِذِ الْمَوْتُ بِإِنْسَانٍ، بِإِنْسَانٍ أَيْضًا قِيَامَةُ الأَمْوَاتِ. لأَنَّهُ كَمَا فِي آدَمَ يَمُوتُ الْجَمِيعُ، هكَذَا فِي الْمَسِيحِ سَيُحْيَا الْجَمِيعُ” (1 كورنثوس 15: 21 – 22). “وَلكِنْ لَيْسَ كَالْخَطِيَّةِ هكَذَا أَيْضًا الْهِبَةُ. لأَنَّهُ إِنْ كَانَ بِخَطِيَّةِ وَاحِدٍ مَاتَ الْكَثِيرُونَ، فَبِالأَوْلَى كَثِيرًا نِعْمَةُ اللهِ، وَالْعَطِيَّةُ بِالنِّعْمَةِ الَّتِي بِالإِنْسَانِ الْوَاحِدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، قَدِ ازْدَادَتْ لِلْكَثِيرِينَ! وَلَيْسَ كَمَا بِوَاحِدٍ قَدْ أَخْطَأَ هكَذَا الْعَطِيَّةُ. لأَنَّ الْحُكْمَ مِنْ وَاحِدٍ لِلدَّيْنُونَةِ، وَأَمَّا الْهِبَةُ فَمِنْ جَرَّى خَطَايَا كَثِيرَةٍ لِلتَّبْرِيرِ. لأَنَّهُ إِنْ كَانَ بِخَطِيَّةِ الْوَاحِدِ قَدْ مَلَكَ الْمَوْتُ بِالْوَاحِدِ، فَبِالأَوْلَى كَثِيرًا الَّذِينَ يَنَالُونَ فَيْضَ النِّعْمَةِ وَعَطِيَّةَ الْبِرِّ، سَيَمْلِكُونَ فِي الْحَيَاةِ بِالْوَاحِدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ! فَإِذًا كَمَا بِخَطِيَّةٍ وَاحِدَةٍ صَارَ الْحُكْمُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ لِلدَّيْنُونَةِ، هكَذَا بِبِرّ وَاحِدٍ صَارَتِ الْهِبَةُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ، لِتَبْرِيرِ الْحَيَاةِ. لأَنَّهُ كَمَا بِمَعْصِيَةِ الإِنْسَانِ الْوَاحِدِ جُعِلَ الْكَثِيرُونَ خُطَاةً، هكَذَا أَيْضًا بِإِطَاعَةِ الْوَاحِدِ سَيُجْعَلُ الْكَثِيرُونَ أَبْرَارًا” (رومية 5: 15- 19).

 2- كل إنسان مولود من جنس أدم هو مولود بخطية أصلية وطبيعة فاسدة. بمعنى إنه ليس فقط كل إنسان مذنب أمام الله باحتساب خطية أدم له، لكنه أيضا مولود بهذه الخطية وبالتالي فالخطايا الفعلية تنتج من فساد الطبيعة البشرية المولود بها الإنسان. فحكم الموت الشرعي واقع على كل الجنس البشري بجعل خطية أدم خطيتنا. وقد وصلت لنا طبيعة فاسدة كليّا بالولادة الطبيعية إرثا. وحكم الموت هو بسبب نيابة أدم عنا نيابة شرعية (لأن الله أقامه رأسا لكل الجنس البشري باعتباره أول الخليقة وبسبب سقوطه وعصيانه في العهد الذي أقامه الله معه). وفساد الطبيعة الساقطة هو بسبب نيابة أدم عنا نيابة طبيعية كونه أبو الجنس البشري. ”1 اَلرَّبُّ مِنَ السَّمَاءِ أَشْرَفَ 2 قَالَ الْجَاهِلُ فِي قَلْبِهِ: «لَيْسَ إِلهٌ». فَسَدُوا وَرَجِسُوا بِأَفْعَالِهِمْ. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحًا. 3 الْكُلُّ قَدْ زَاغُوا مَعًا، فَسَدُوا. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحًا، لَيْسَ وَلاَ وَاحِدٌ” (مزمور 14: 1- 3). ”10 الْجَمِيعُ زَاغُوا وَفَسَدُوا مَعًا. 11 لَيْسَ مَنْ يَفْهَمُ. لَيْسَ مَنْ يَطْلُبُ اللهَ. 12 كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: «أَنَّهُ لَيْسَ بَارٌّ وَلاَ وَاحِدٌ. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحًا لَيْسَ وَلاَ وَاحِدٌ” (رومية 3: 10-12). ”هأَنَذَا بِالإِثْمِ صُوِّرْتُ، وَبِالْخَطِيَّةِ حَبِلَتْ بِي أُمِّي” (مزمور 51: 5).

 3- عجز الإنسان المولود بالخطية عن عمل الصلاح الذي يتطلبه الله. فكل إنسان مولود بالخطية الأصلية والطبيعة الفاسدة وقد أُحتسبت له خطية أدم. وبالتالي هو غير قادر على فعل الصلاح الذي يريده الله، وهو غير قادر على خلاص نفسه من الخطية. ذلك لأنه عاجز عن تحقيق مقاصد الله المقدسة. فقلب الإنسان ملوث بالخطية والشر وذلك نتيجة ولادته بالخطية الأصلية والطبيعة الفاسدة. الإنسان عاجز عن اختيار الله أو القبول إليه بإرادته. ذلك لان تلك الإرادة هي مقيدة بالخطية والفساد. فسلوك أي إنسان هو نابع من دوافع قلبه ورغباته الداخلية. وبما إن رغبات قلب الإنسان الطبيعي هي كلها للشر، فلا يستطيع هذا الإنسان أن يختار الله أو أن يقيم علاقة معه أو يطيع وصاياه أو يحيا الحياة المرضية أمامه. يقول الكتاب المقدس أن الإنسان الطبيعي هو ميت بالذنوب والخطايا. وبالتالي مهما عمل أعمالا تبدو صالحة (كالصوم والصلاة والصدقة) فكل هذه الأعمال تنبع من قلب ملوث بالخطية وإرادة مقيدة بفعل الشر. وبالتالي فهذه الأعمال وإن كانت تبدو صالحة فهي في جوهرها أعمالا نجسة تنبع من إنسان نجس. ”وَقَدْ صِرْنَا كُلُّنَا كَنَجِسٍ، وَكَثَوْبِ عِدَّةٍ كُلُّ أَعْمَالِ بِرِّنَا، وَقَدْ ذَبُلْنَا كَوَرَقَةٍ، وَآثَامُنَا كَرِيحٍ تَحْمِلُنَا” (إشعياء 64: 6). ”12 تَعَدَّيْنَا وَكَذِبْنَا عَلَى الرَّبِّ، 13 لأَنَّ مَعَاصِيَنَا كَثُرَتْ أَمَامَكَ، وَخَطَايَانَا تَشْهَدُ عَلَيْنَا، لأَنَّ مَعَاصِيَنَا مَعَنَا، وَآثَامَنَا نَعْرِفُهَا. وَقَدِ ارْتَدَّ الْحَقُّ إِلَى الْوَرَاءِ، 14 وَحِدْنَا مِنْ وَرَاءِ إِلهِنَا. تَكَلَّمْنَا بِالظُّلْمِ وَالْمَعْصِيَةِ. حَبِلْنَا وَلَهَجْنَا مِنَ الْقَلْبِ بِكَلاَمِ الْكَذِبِ. وَصَارَ الصِّدْقُ مَعْدُومًا، 15 وَالْعَدْلُ يَقِفُ بَعِيدًا. لأَنَّ الصِّدْقَ سَقَطَ فِي الشَّارِعِ، وَالاسْتِقَامَةَ لاَ تَسْتَطِيعُ الدُّخُولَ. وَالْحَائِدُ عَنِ الشَّرِّ يُسْلَبُ. فَرَأَى الرَّبُّ وَسَاءَ فِي عَيْنَيْهِ أَنَّهُ لَيْسَ عَدْلٌ” (إشعياء 59: 12-15). “اَلْقَلْبُ أَخْدَعُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ نَجِيسٌ، مَنْ يَعْرِفُهُ؟” (إرميا 17: 9).

د. ق. شريف جندي

 

Image

الحرب المقدسة: مفهومها في كلمة الله وموقعها في خطة الخلاص

ما هو مفهوم الحرب المقدسة؟ وهل يشجع الكتاب المقدس على الحرب المقدسة؟ كيف نفهم نصوصا في الكتاب المقدس تتحدث عن ابادة شعوب بأكملها؟

 تثنية 7: 1 – 5

1مَتَى أَتَى بِكَ الرَّبُّ إِلهُكَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أَنْتَ دَاخِلٌ إِلَيْهَا لِتَمْتَلِكَهَا، وَطَرَدَ شُعُوبًا كَثِيرَةً مِنْ أَمَامِكَ: الْحِثِّيِّينَ وَالْجِرْجَاشِيِّينَ وَالأَمُورِيِّينَ وَالْكَنْعَانِيِّينَ وَالْفِرِزِّيِّينَ وَالْحِوِّيِّينَ وَالْيَبُوسِيِّينَ، سَبْعَ شُعُوبٍ أَكْثَرَ وَأَعْظَمَ مِنْكَ، 2وَدَفَعَهُمُ الرَّبُّ إِلهُكَ أَمَامَكَ، وَضَرَبْتَهُمْ، فَإِنَّكَ تُحَرِّمُهُمْ. لاَ تَقْطَعْ لَهُمْ عَهْدًا، وَلاَ تُشْفِقْ عَلَيْهِمْ، 3وَلاَ تُصَاهِرْهُمْ. بْنَتَكَ لاَ تُعْطِ لابْنِهِ، وَبِنتْهُ لاَ تَأْخُذْ لابْنِكَ. 4لأَنَّهُ يَرُدُّ ابْنَكَ مِنْ وَرَائِي فَيَعْبُدُ آلِهَةً أُخْرَى، فَيَحْمَى غَضَبُ الرَّبِّ عَلَيْكُمْ وَيُهْلِكُكُمْ سَرِيعًا. 5وَلكِنْ هكَذَا تَفْعَلُونَ بِهِمْ: تَهْدِمُونَ مَذَابِحَهُمْ، وَتُكَسِّرُونَ أَنْصَابَهُمْ، وَتُقَطِّعُونَ سَوَارِيَهُمْ، وَتُحْرِقُونَ تَمَاثِيلَهُمْ بِالنَّارِ.

يشوع 10: 40 – 42

40فَضَرَبَ يَشُوعُ كُلَّ أَرْضِ الْجَبَلِ وَالْجَنُوبِ وَالسَّهْلِ وَالسُّفُوحِ وَكُلَّ مُلُوكِهَا. لَمْ يُبْقِ شَارِدًا، بَلْ حَرَّمَ كُلَّ نَسَمَةٍ كَمَا أَمَرَ الرَّبُّ إِلهُ إِسْرَائِيلَ. 41فَضَرَبَهُمْ يَشُوعُ مِنْ قَادَشَ بَرْنِيعَ إِلَى غَزَّةَ وَجَمِيعَ أَرْضِ جُوشِنَ إِلَى جِبْعُونَ. 42وَأَخَذَ يَشُوعُ جَمِيعَ أُولئِكَ الْمُلُوكِ وَأَرْضِهِمْ دُفْعَةً وَاحِدَةً، لأَنَّ الرَّبَّ إِلهَ إِسْرَائِيلَ حَارَبَ عَنْ إِسْرَائِيلَ. 43ثُمَّ رَجَعَ يَشُوعُ وَجَمِيعُ إِسْرَائِيلَ مَعَهُ إِلَى الْمَحَلَّةِ إِلَى الْجِلْجَالِ.

لكي نفهم هذه النصوص ومقاصد الله من الحروب المقدسة التي قامت بها إسرائيل في العهد القديم تتميما لمشيئة الله الصالحة لابد وأن نضع في عين الاعتبار أمرين هامين: أولا تدرج الإعلان الإلهي، ثانيا موقع هذه الحروب في تاريخ الفداء.

بالنسبة للأمر الأول، يعلمنا الكتاب المقدس أن إعلان الله لنا عن نفسه وأعماله قد تم بشكل تدريجي إلى أن وصل لذروته في شخص وعمل المسيح (عبرانيين 1: 1- 2). ولذلك فلابد وأن نفهم الأحداث والأشخاص والمؤسسات التي كانت موجودة في العهد القديم في ضوء خليفتها التاريخية ودورها في تدرج الإعلان إلى أن وصل للمسيح.

أما عن الأمر الثاني وهو موقع هذه الحروب في تاريخ الفداء، فيجب أن نفهم أحداث العهد القديم في ضوء موقعها الزمني من تاريخ الفداء حيث يشمل هذا التاريخ على اعداد البشرية لأكبر حدث تم في تاريخها وهو تجسد الله في شخص المسيح لكي يتمم خطة فداءه لشعبه. وبالتالي ينبغي أن نسأل أنفسنا هذا السؤال: كيف ساهمت هذه الحروب في دفع وتقدم خطة فداء الله للأمام؟ وكيف وجهت نظر الشعب في القديم لما سيفعله المسيح المخلص في ملء الزمان وفي عمله القضائي في نهاية الزمان؟

لكي نجيب على هذه الأسئلة ينبغي أن نذكر عدة نقاط تجمع ما بين الأمر الأول المتعلق بتدرج الإعلان الإلهي والأمر الثاني المتعلق بتاريخ الفداء.

1- كان امتلاك أرض كنعان هو تحقيقًا لوعد الله لإبراهيم ولنسله بالأرض (تكوين 12: 7، 18 – 21، 17: 8، يشوع 21: 43 – 45). ولأن لله كل الأرض والمسكونة والساكنين فيها (خروج 9: 29، 19: 5، تثنية 10: 14، أيوب 41: 11، مزمور 50: 12)، فهو وحده له الحق أن يعطي الأرض (وأي أرض) لأي شخص أو شعب كيفما يشاء وحيثما يشاء.

2- وعد الله شمل على دينونة الأمم الكنعانية (تكوين 15: 13 – 16، لاحظ أن تعبير “الأموريين” في العهد القديم يشير بشكل عام إلى شعوب أرض كنعان الوثنية)، مستخدمًا إسرائيل في ذلك (تثنية 9: 1 – 6)، وكانت محدودة لذلك الزمن فقط. لابد أن يجري الله دينونته العادلة المقدسة. فالدينونة هي دائمًا جزء رئيسي في الفداء. فمنذ سقوط أدم في الخطية سقطت معه كل البشرية وأصبح حكم الموت واجب على الجميع لأن أجرة الخطية هي موت (رومية 6: 23). فبسقوط أدم أصبح كل الجنس البشري ساقط في الخطية ويقف أمام الله مذنبا نتيجة احتساب خطية أدم لهم وارتكابهم الخطية الفعلية (رومية 5: 12، 15 – 19، 1 كورنثوس 15: 21 – 22). ولذلك فإن قرر الله يومًا ما أن يهلك شخصا ما أو شعبا بأكمله نتيجة الخطية فسيكون ذلك حكمًا عادلاً وبارًا ومقدسًا من إله قدوس يكره الخطية ومن يرتكبها (لاويين 20: 22 – 23، مزمور 5: 4 – 6، 6: 16 – 19، 11: 4 – 7، أمثال 15: 8 – 9، 26، 16: 5، ناحوم 1: 2، لوقا 12: 4 – 5). لذلك فغضب الله واقع على كل البشر الخطاة (يوحنا 3: 36، رومية 1: 24 – 32، 2: 5). وسيأتي اليوم الذي فيه ينسكب الغضب الإلهي العادل على كل من لم يؤمن بالخلاص الذي تممه الله في المسيح على الصليب (يوحنا 3: 16، 36).

3- بالإضافة لدينونة عدم الإيمان، كانت إبادة الكنعانيين لحماية إسرائيل من الاختلاط بهم وعبادة آلهتهم الوثنية (تثنية 7: 6، 12: 29 – 31، 20: 18). فكان لابد أن تحفظ إسرائيل نفسها مقدسة وطاهرة للرب لكي تتم إرسالية الفداء التي جعلها الله في أيديها حيث تكون إسرائيل نورا للأمم وتقدم رسالة خلاص الله لأقصى الأرض (مزمور 98: 3، إشعياء 42: 6، 49: 6).

4- فقصد الله من البداية هو أن تتبارك كل شعوب الأرض في إبراهيم ونسله المختار (تكوين 12: 3، 18: 17 – 18). هذا النسل يتمثل في إسرائيل العهد القديم وقصد الله تحقق بشكل أولي ومبدئ في أشخاص وشعوب معينة في العهد القديم مثل راعوث الموآبية في سفر راعوث وشعب نينوى في سفر يونان وغيرهم. وفي ملء الزمان جاء المسيح متممًا لما فشل فيه إسرائيل حيث يقدمه لنا العهد الجديد باعتباره هو نفسه “النسل” الجوهري والأساسي والأصيل لإبراهيم (غلاطية 3: 16) والذي تتبارك فيه كل شعوب الأرض. حيث يصبح كل من آمن بالمسيح “نسلا” لإبراهيم ووارثًا للوعود (غلاطية 3: 29). فليس جميع الذين من إسرائيل العهد القديم هم إسرائيليون حقيقيون بحسب مقاصد الله، ولا لأنهم من نسل إبراهيم حسب الجسد هم جميعا أولاد حقيقيون للرب (رومية 9: 6 – 7). “أَيْ لَيْسَ أَوْلاَدُ الْجَسَدِ هُمْ أَوْلاَدَ اللهِ، بَلْ أَوْلاَدُ الْمَوْعِدِ يُحْسَبُونَ نَسْلاً” (رومية 9: 8).

5- لاحظ أن أمر الله لإسرائيل في قرينة الحروب المقدسة هو أن تهلك الأمم الساكنة في داخل أرض كنعان فقط (تثنية 20: 16 – 18)، وهو المكان الذي منه تكون إسرائيل شهادة للأمم عن نعمة وعظمة الله. لكن عندما تتعامل إسرائيل مع الشعوب التي خارج حدود أرض كنعان فلا يجب أن يهلكوهم (تثنية 20: 10 – 15).

6- امتلاك إسرائيل للأرض وإبادة شعوب كنعان لا يعني أن الله يفضّل إسرائيل ويقف ضد الكنعانيين. فراحاب الزانية قد نالت الخلاص وهي ليست من بني إسرائيل بل من سكان أرض كنعان لكنها آمنت بإله إسرائيل الحي الحقيقي (يشوع 2: 8 – 13، 6: 17، 25، عبرانيين 11: 31). وأيضًا في قرينة نفس الأحداث نرى عاخان ابن كرمي الذي كان من ضمن شعب إسرائيل لكنه تصرف بحماقة في عدم إيمان وجعل كل إسرائيل تخون خيانة في الحرام وتخطئ وكان غضب الرب عظيما على بني إسرائيل. ولذلك نال عاخان وكل بيته القضاء الإلهي العادل الذي يستحقه (يشوع 7: 1 – 26، اقرأ أيضًا تثنية 7: 7 – 11). في مراحل أخرى من تاريخ الفداء نرى دينونة الله العادلة تأتي على شعب إسرائيل مستخدما في ذلك شعوبا وثنية مثل الأشوريين في حروبهم مع المملكة الشمالية لإسرائيل والبابليين في حروبهم مع المملكة الجنوبية لإسرائيل وقد انتهت هذه الحروب بالسبي الأشوري للمملكة الشمالية والسبي البابلي للمملكة الجنونية (2 ملوك 17: 1 – 23، إرميا 19، 25). في الواقع من يقرأ بتركيز ما صنعه الله مع إسرائيل من دينونة عادلة مستخدما شعوبا أخرى في ذلك يكتشف أنها كانت أصعب بكثير وأشد قسوة مما صنعه الله بيد إسرائيل من دينونة للكنعانين أيام يشوع (2 ملوك 17: 20 – 23، إرميا 19: 6 – 13، 25: 8 – 11).

7- امتلاك أرض كنعان هو شهادة عن قوة وعظمة الله في كل الأرض. فمن خلال امتلاك الأرض تعلم كل شعوب العالم أن يد الرب قوية (يشوع 4: 24). كلمة “تعلم” في هذه الآية لا تعني بالضرورة معرفة الخلاص. لأن البعض تجاوب مع هذه الشهادة بالإيمان (مثل راحاب) من بين شعوب الأرض، والبعض الأخر تجاوب بالرفض لهذه الشهادة كما نرى في ملوك هذه الأمم التي سمعت عن إله إسرائيل وقوته ولكنها لم تخضع تحت سلطانه (يشوع 10: 1 – 7، 11: 12). فامتلاك الأرض هو بغرض أن يعرف شعوب العالم الله إما كديان أو كمخلص.

8- دينونة الله المصاحبة لامتلاك الأرض ليست تفويضا لاستخدام الجهاد ضد غير المؤمنين في كل مكان وزمان. لكنها كانت دينونة محددة لوقت وزمن معين وتتميما لأحداث محددة في تاريخ الفداء. فهذه الدينونة شكلت مع باقي أحداث تاريخ الفداء الصورة الأكبر للخلاص في المسيح. ولذلك ينبغي أن نفهم هذه الدينونة في ضوء الدور الذي لعبته لتتميم هذه الصورة الكبرى. فالحروب هنا ليست نموذجا أخلاقيا يُتّبع في كل وقت.

9- في العهد القديم كانت الدينونة الإلهية ضد إعداء بشرية من الدرجة الأولى. لكن في العهد الجديد محاربتنا ليست مع دم ولحم ولكنها مع رؤساء وسلاطين وأجناد الشر الروحية في السماويات (أفسس 6: 12) والتي تقف خلف الأشرار وتحركهم وتقودهم في الشر. ولذلك فحروبنا في العهد الجديد هي أشد قسوة لأنها تتعامل مباشرا مع أجناد الشر الروحية. حيث أن حروبنا المقدسة الآن هي مع مملكة الظلمة التي يترأسها إبليس وأعوانه من الشياطين. هذه الحروب قد سبق وأنتصر لنا فيها المسيح على الصليب (يوحنا 12: 31، 16: 33، كولوسي 2: 15). وقد أعلن لنا الرب أن النصرة النهائية لنا في المسيح مضمونة لأن نصرة المسيح على الصليب وفي القيامة تضمن نصرته النهائية على إبليس وتؤكد عليها (رومية 8: 37، 1 كورنثوس 15: 5، 24، 2 كورنثوس 2: 14). فعند نهاية الزمان ستكون دينونة الله على قوى الشر لإبليس وأتباعه من الشياطين والبشر كما نرى في سفر الرؤيا.

10- أخيرا إن امتلاك أرض كنعان هو بمثابة صورة أو ظلا لدينونة الله النهائية في اليوم الأخير. حيث تمثل أحداث وشخصيات العهد القديم مثالا مصغرا لما تممه المسيح في مجيئه الأول وما يتممه الآن في السماء عند عرش الآب وعلى الأرض بالروح القدس من خلال الكنيسة وما سيتممه في مجيئه الثاني (1 كورنثوس 10: 1 – 6). فيشوع في شخصه وعمله كان بمثابة ظلا أو مثالا لما هو أبعد منه أي المسيح نفسه (عبرانيين 3: 7 – 4: 13).

في ضوء هذه النقاط نرى أن الحروب المقدسة في العهد القديم لعبت دورا هاما في تاريخ الفداء حيث تممت مقاصد الله الصالحة في تحقيق وعوده لشعبه وإعداد البشرية لملء الزمان حيث تجسد المسيح محققا بشكل مبدئ ما سبق ووعد به الله إلى أن يكتمل هذا التحقيق بشكل كامل في المجيء الثاني للمسيح. هذه هي القرينة الكتابية التي ينبغي أن نفهم من خلالها هذه الحروب لكي نعرف دورها الرئيسي في خطة الفداء. ليعطنا الرب نعمة لكي نفهم ما قد أوصى به وتممه شعبه في العهد القديم بشكل صحيح في ضوء اكتمال إعلان الله عن نفسه في شخص وعمل المسيح.

د. ق. شريف جندي

 

Image