العهد الإبراهيمي والوعد بالأرض

هل يعتبر العهد الذي قطعه الله مع إبراهيم مشروطًا أم غير مشروط؟ وهل يتوقف تحقيق وعد الله بامتلاك إبراهيم ونسله أرض الموعد على شرط معين يجب على إبراهيم أن يفيه؟ وهل تحقق الوعد بالأرض أم مازال هناك تحقيقًا له في المستقبل؟ هل هناك نبوات كتابيَّة بشأن أحقيّة اليهود اليوم لأرض فلسطين؟ هل سيعطي الله اليهود الأرض في المستقبل؟

هذه كلها أسئلة هامة تشغل بال الكثيرين. وللإجابة عليها ينبغي لنا أن ندرس وعد الله لإبراهيم بالأرض، وتطور هذا الوعد، وطريقة تحقيقه عبر التاريخ البشري كما هو معلن في الكتاب المقدس.

أولًا الوعد بالأرض قبل قطع العهد:

جاءت دعوة الله لإبراهيم في سفر التكوين أصحاح 12 حيث دعاه الله أن يترك أرضه وبيت أبيه ويذهب إلى الأرض التي يريها له الله. وبالفعل فعل إبراهيم كما أمره الله. وعندما ظهر الرب لإبراهيم وعد نسله بأرض كنعان (عدد 7). ثم في اصحاح 13 جاء وعد الله بالأرض لإبراهيم مرة ثانية حيث قال الله: “جَمِيع الأَرْضِ الَّتِي أَنْتَ تَرَى لَكَ أُعْطِيهَا وَلِنَسْلِكَ إِلَى الأَبَدِ” (عدد 15، قارن عدد 17). وهنا لأول مرة نجد أن الوعد بالأرض هو لامتلاكها للأبد. ومن هنا نلاحظ أن وعد الله لإبراهيم بالأرض قبل قطع العهد معه شمل على أمرين: 1) أن الوعد لإبراهيم ولنسله، 2) أن الأرض يعطيها الرب لإبراهيم ونسله إلى الأبد.

وهنا يجب أن نلاحظ أمرا في غاية الأهمية. كلمة “نسل” المذكورة في تكوين 12: 7، 13: 15 هي في اللغة العبرية “زِرَع” وهي من الناحية الإعرابيّة النحويّة مفرد مذكر، ولكنها من ناحية المعنى قد تشير لنسل مفرد أو جمع وذلك بحسب قرينة السياق. أي أن الكلمة هي اسم مفرد جمعي، أو اسم مفرد نحويًّا قد يكون جمعي من حيث المعنى بحسب السياق. ومن الملفت للنظر أن نفس الكلمة العبريّة مستخدمة في تكوين 3: 15 “وَأَضَعُ عَدَاوَةً بَيْنَكِ وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ، وَبَيْنَ نَسْلِكِ وَنَسْلِهَا.” وهنا نجد استخدامًا للكلمة بالمعنى المفرد حيث أن نسل المرأة هنا هو إشارة للمسيح. وفي تكوين 4: 25 نجد استخدامًا آخرا للكلمة حيث يقول الكتاب: “وَعَرَفَ آدَمُ امْرَأَتَهُ أَيْضًا، فَوَلَدَتِ ابْنًا وَدَعَتِ اسْمَهُ شِيثًا، قَائِلَةً: «لأَنَّ اللهَ قَدْ وَضَعَ لِي نَسْلاً آخَرَ عِوَضًا عَنْ هَابِيلَ».” فكلمة “نسل” هنا هي أيضًا تحمل المعنى المفرد حيث إنها تشير إلى شيث الذي ولدته حواء لأدم عوضًا عن هابيل الذي كان قد قتله قايين أخوه. لكن كلمة “نسل” أيضا تحمل المعنى الجمعي في آيات أخرى في سفر التكوين (مثال: 7: 3، 9: 9). والسؤال هنا: هل وعد الله لنسل إبراهيم بالأرض كان لنسله جمعًا أم نسلاً مفردًا؟ للإجابة على هذا السؤال يجب أن ندرس العهد الذي قطعه الله مع إبراهيم وكيفية تحقيق الوعد بالأرض عبر التاريخ البشري.

ثانيًا الوعد بالأرض في إطار العهد:

عندما نأتي إلى اصحاح 15 من سفر التكوين نجد الله يؤكد لإبراهيم وعده له بالأرض (عدد 7). وعندما سأل إبراهيم الله عمّا يضمن تحقيق هذا الوعد بادر الله بصنع عهدًا مع إبراهيم (أعداد 8-21). وفي سياق هذا العهد أعلم الله إبراهيم بأن نسله سيكون غريبًا في أرض مصر ويُستعبدون فيها لمدة أربعة مئة سنة لكنهم سيخرجون ويرجعون لأرض كنعان عندما يكتمل ذنب الأموريين (أعداد 13 – 16). وعندها أكّد الله بأنه سيعطي أرض الكنعانيين لإبراهيم ونسله (عدد 18، قارن تكوين 24: 7، 26: 4، تثنية 34: 4). وحدّد الله حدود هذه الأرض جغرافيًّا حيث يحدّها نهر مصر من الغرب (وهو ليس نهر النيل وإنما بحر سوف الذي كان في شمال مصر واقعًا في أرض سيناء ولكنه اختفى مع مرور الزمن، قارن خروج 23: 31، تثنية 1: 7، يشوع 1: 4)، ونهر الفرات من الشرق (عدد 18).

وحين نأتي إلى تكوين أصحاح 17 نجد تأكيد وتثبيت العهد الذي سبق وقطعه الله مع إبراهيم في اصحاح 15. هنا نرى الله يُملي على إبراهيم شروطًا للعهد. حيث يشترط الله أن يسير إبراهيم أمامه ويكون كاملاً (عدد 1). وأن يحفظ إبراهيم ونسله العهد بقبول علامة العهد وهي الختان (أعداد 9-14). وفي هذا السياق يؤكّد الله على وعده لإبراهيم ونسله حيث يقول: “وَأُعْطِي لَكَ وَلِنَسْلِكَ مِنْ بَعْدِكَ أَرْضَ غُرْبَتِكَ، كُلَّ أَرْضِ كَنْعَانَ مُلْكًا أَبَدِيًّا. وَأَكُونُ إِلهَهُمْ»” (عدد 8). وبالرغم من أن الوعد بالأرض هو لإبراهيم ونسله ملكًا أبديًّا (أي لا يُنتزع منهم) إلا أنه ليس بلا شروط. فمن لا يحفظ العهد لا يظل مستمتعًا بامتلاك الأرض للأبد. بل من لا يحفظ علامة العهد يقع تحت لعنة العهد لأنه قد كسر العهد حيث يقول الله: “وَأَمَّا الذَّكَرُ الأَغْلَفُ الَّذِي لاَ يُخْتَنُ فِي لَحْمِ غُرْلَتِهِ فَتُقْطَعُ تِلْكَ النَّفْسُ مِنْ شَعْبِهَا. إِنَّهُ قَدْ نَكَثَ عَهْدِي” (عدد 14). فلو كان العهد غير مشروط فلا يمكن لأحد أن يكسره. ولكن بما أن الله قد أعلن أنه يمكن للفرد أن ينكث العهد بعدم قبول الختان في لحم غرلته فإذن هذا العهد مشروط.

ومن هنا نرى أن الوعد لإبراهيم ونسله بأرض كنعان هو وعد مشروط في إطار العهد الذي قطعه الله مع إبراهيم. لكنه وعدًا أبديًّا لمن يسلك أمام الله ويحفظ شروط العهد. فحين يحفظ نسل إبراهيم وصايا الرب يستمر في امتلاكه للأرض (تثنية 28: 8، 11)، وأما العصيان والتمرّد فيجلب الطرد من الأرض (تثنية 28: 36، 41، 63 – 64).

ثالثًا تحقيق الوعد عبر التاريخ:

هل تحقق الوعد بالأرض لإبراهيم ونسله؟ وكيف ومتى تحقق؟

عندما ننظر لتاريخ تعامل الله مع شعبه في تحقيقه للوعد نكتشف أن إبراهيم ونسله قد امتلكوا أرض كنعان وتوسعوا فيها أربعة مرات على الأقل كالآتي:

1- تحقّق الوعد بالأرض لإبراهيم نفسه حيث سكن في أرض كنعان وماتت سارة هناك ودفنها إبراهيم أيضًا في أرض كنعان (تكوين 13: 12، 23: 2، 19، 24: 3، 37، نحميا 9: 7-8). وهكذا سكن أيضًا اسحاق ويعقوب في أرض كنعان (تكوين 26: 2–3، 28: 4، 33: 18، 35: 12، 37: 1، 42: 13، 29، 32).

2- تحقّق الوعد عندما خرج بني إسرائيل من أرض العبوديّة في مصر بقيادة موسى وساروا في البرية مدة 40 سنة إلى أن دخلوا وامتلكوا أرض كنعان بقيادة يشوع (يشوع 11: 23). يقول الكتاب المقدس: “فَأَعْطَى الرَّبُّ إِسْرَائِيلَ جَمِيعَ الأَرْضِ الَّتِي أَقْسَمَ أَنْ يُعْطِيَهَا لآبَائِهِمْ فَامْتَلَكُوهَا وَسَكَنُوا بِهَا… لَمْ تَسْقُطْ كَلِمَةٌ مِنْ جَمِيعِ الْكَلاَمِ الصَّالِحِ الَّذِي كَلَّمَ بِهِ الرَّبُّ بَيْتَ إِسْرَائِيلَ، بَلِ الْكُلُّ صَارَ” (يشوع 21: 43–45، قارن 23: 14، نحميا 9: 15، 22-25).

3- تحقّق الوعد بتوسيع الأرض حين ملك داود علي إسرائيل ومن بعده قام سليمان بتوسيعات أكبر حين ملك خلفًا لداود أبيه (1 أخبار الأيام 18، 1 ملوك 9). وحتى هذه اللحظة من تاريخ إسرائيل لم تتملك إسرائيل كل أرض كنعان بحسب حدودها الجغرافيَّة التي وضعها الرب في تكوين 15: 18 وذلك بسبب عصيانها المتكرر لوصايا الرب وعبادتها لآلهة غريبة وتنجسها برجاسات الأمم. ولكن عندما نأتي إلى داود نقرأ أن داود ضرب هدد عزر ملك صوبة عند نهر الفرات (2 صموئيل 8: 3-4). وهنا ولأول مرة نرى أن مملكة إسرائيل امتدت ولو لفترة وجيزة إلى أقصى حدودها الشرقيَّة. وعندما جاء سليمان قام بتوسيعات في حدود مملكة إسرائيل حيث امتدت من مصر إلى الفرات. ويستخدم كاتب سفر ملوك الأول استعارة رمل البحر المستخدمة في تكوين 22: 17 ليظهر كيف أن حدود مملكة سليمان كانت تحقيقًا للوعد الإبراهيمي (1 ملوك 4: 20–21، 24).

4- تحقّق الوعد بعودة إسرائيل من السبي وامتلاك الأرض مرة أخرى (عزرا 1–2).

من هنا نرى أن الله قد حقق الوعد بإعطاء إبراهيم ونسله من بني إسرائيل أرض كنعان أكثر من مرة. وبالرغم من عصيان وتمرد إسرائيل وطرد الرب لهم من الأرض كعقاب منه لهم إلا أنه كان أمينًا للوعد والقسم الذي قسمه لإبراهيم في إطار العهد ولذا ردهم الرب إلى الأرض بعد توبتهم ورجوعهم له.

وهنا ينبغي لنا أن نلاحظ أمرًا هامًا. أعطى الرب أرض كنعان لإسرائيل كعلامة على رحمته ونعمته لهم. لم يعطيهم الأرض لأنهم أكثر من باقي الشعوب في العدد ولا لأنهم متميزون عنهم (تثنية 7: 7). ولم تكن الأرض مكافأة من الرب على برهم أو استقامتهم. بل على النقيض، كان الرب يصف إسرائيل باستمرار بأنهم شعب “صلب الرقبة” (خروج 32: 9، 33: 3، 5، تثنية 9: 5–6)، وبأكثرهم لم يُسر الله (1 كورنثوس 10: 5). وفرح الرب بهلاكهم وفنائهم (تثنية 28: 63).

وقد ذكّر موسى والأنبياء مرارًا عديدة الشعب بأن الأرض هي ملك للرب وأن الإقامة فيها دائمًا مشروطة. مثلا نقرأ في لاويين 25: 23 “وَالأَرْضُ لاَ تُبَاعُ بَتَّةً، لأَنَّ لِيَ الأَرْضَ، وَأَنْتُمْ غُرَبَاءُ وَنُزَلاَءُ عِنْدِي.” فلأن الأرض هي ملك للرب فلا يمكن أن تُباع أو تُشترى. وفي إرميا 2: 7 نقرأ “وَأَتَيْتُ بِكُمْ إِلَى أَرْضِ بَسَاتِينَ لِتَأْكُلُوا ثَمَرَهَا وَخَيْرَهَا. فَأَتَيْتُمْ وَنَجَّسْتُمْ أَرْضِي وَجَعَلْتُمْ مِيرَاثِي رِجْسًا.” لاحظ ضمير الملكية في قوله “أرضي، ميراثي” (قارن إرميا 16: 18). فالأرض لم تكن تحت تصرف إسرائيل كيفما تشاء. بل إسرائيل هي الذي تحت تصرف وترتيب وتدبير الرب. حقًا إن “لِلرَّبِّ الأَرْضُ وَمِلْؤُهَا. الْمَسْكُونَةُ، وَكُلُّ السَّاكِنِينَ فِيهَا” (مزمور 24: 1). وهو سيد الأرض كلها (يشوع 3: 13). ولهذا فكانت إقامة إسرائيل في أرض كنعان دائمًا مشروطة بطاعة إسرائيل للرب ومحبته من كل القلب (تثنية 19: 8–9، لاويين 18: 24–28، يشوع 23: 16).

 رابعًا من هو نسل إبراهيم وما هي حدود الأرض التي يرثها؟

نأتي الآن للإجابة على السؤال: هل مازال هناك تحقيقًا مستقبليًّا لوعد الله لإبراهيم ونسله بالأرض؟

وللإجابة على هذا السؤال ينبغي أن نتذكّر أن قصد الله من البداية هو أن تتبارك كل شعوب الأرض في إبراهيم ونسله (تكوين 12: 3، 18: 17–18). وقد تمثّل هذا النسل في شعب إسرائيل في العهد القديم حيث كان مدعوا أن يكون نورًا للأمم (إشعياء 42: 6، 49: 6، 60: 3). وقد حقّق الرب جزئيًّا هذه الإرساليّة بالرغم من فساد وعصيان إسرائيل إذ نجد أشخاصًا وشعوبًا في العهد القديم قد وصل إليها نور إعلان الرب مثل راعوث الموآبية في سفر راعوث وشعب نينوى في سفر يونان وغيرهم. أما إسرائيل كشعبٍ فقد فشل في طاعة وصايا الرب ولم يستطع أن يكون نورًا للأمم.

وإذ نأتي إلى العهد الجديد، وهو التفسير الوحيد المعصوم من الخطأ والموحى به من الله للعهد القديم، نرى كيف تحقّقت وعود الله لإبراهيم ونسله في خطة الفداء في المسيح. حيث أنه في ملء الزمان جاء المسيح متممًا لما فشل فيه إسرائيل إذ يقدمه لنا العهد الجديد باعتباره هو نفسه “النسل” الجوهري والأساسي والأصيل لإبراهيم فيقول بولس “وَأَمَّا الْمَوَاعِيدُ فَقِيلَتْ فِي إِبْرَاهِيمَ وَفِي نَسْلِهِ. لاَ يَقُولُ: «وَفِي الأَنْسَالِ» كَأَنَّهُ عَنْ كَثِيرِينَ، بَلْ كَأَنَّهُ عَنْ وَاحِدٍ: «وَفِي نَسْلِكَ» الَّذِي هُوَ الْمَسِيحُ” (غلاطية 3: 16). وهنا نرى كيف يكشف لنا بولس، بوحي من الروح القدس، عمّا أشار إليه الله بنسل إبراهيم في الوعود التي قالها لإبراهيم ونسله في تكوين 12: 7، 13: 15، 17: 7، 24: 7. فالنسل الحقيقي لإبراهيم في سياق وعود الله له هو المسيح نفسه (غلاطية 3: 9-16). ففي المسيح تحقّقت كل وعود الله للأباء حيث يقول بولس “لأَنْ مَهْمَا كَانَتْ مَوَاعِيدُ اللهِ فَهُوَ فِيهِ «النَّعَمْ» وَفِيهِ «الآمِينُ»” (2 كورنثوس 1: 20). لذلك فالوعود قيلت للمسيح وتحقّقت في المسيح. ففي المسيح تتبارك كل شعوب الأرض. ويصبح كل من آمن بالمسيح “نسلاً” حقيقيًّا لإبراهيم ووارثًا للوعود كما يقول بولس “فَإِنْ كُنْتُمْ لِلْمَسِيحِ، فَأَنْتُمْ إِذًا نَسْلُ إِبْرَاهِيمَ، وَحَسَبَ الْمَوْعِدِ وَرَثَةٌ” (غلاطية 3: 29، قارن أيضًا رومية 4: 16).

لذلك يؤكّد بولس أنه ليس جميع الذين من إسرائيل العهد القديم هم إسرائيليون حقيقيون بحسب مقاصد الله، ولا لأنهم من نسل إبراهيم حسب الجسد هم جميعًا أولاد حقيقيون للرب (رومية 9: 6–7). “أَيْ لَيْسَ أَوْلاَدُ الْجَسَدِ هُمْ أَوْلاَدَ اللهِ، بَلْ أَوْلاَدُ الْمَوْعِدِ يُحْسَبُونَ نَسْلاً” (رومية 9: 8). فليس جميع الذين من نسل إسرائيل العرقي هو إسرائيليون حقيقيون بحسب قصد الله. ولا لمجرد أنهم من نسل إبراهيم ذلك يجعلهم بشكل تلقائي أولادًا لله.

فإن كانت الوعود قيلت للمسيح وتحقّقت في المسيح النسل الحقيقي لإبراهيم وفي كل من آمن بالمسيح، فماذا عن الأرض؟ هل سيرث المسيح وكل من آمن به أرض الميعاد؟ نعم، ولكن الأرض التي سيرثها المسيح وشعبه ليست محدودة جغرافيًّا بنهر مصر ونهر الفرات. يعلمنا بولس أن إبراهيم ونسله وارثًا للعالم (رومية 4: 13). وكلمة “العالم” هنا في اليوناني هي “كوزموس” أي كل الأرض، أو العالم بأكمله. فأرض الموعد بحدودها الجغرافيَّة التي ذكرها الله كانت صورة مصغرة لما قصد الله أن يرث إبراهيم ونسله، أي العالم كله. لذلك قال المسيح “طُوبَى لِلْوُدَعَاءِ، لأَنَّهُمْ يَرِثُونَ الأَرْضَ” (متى 5: 5، قارن مزمور 37: 11). وحتى إبراهيم نفسه لم يكن متطلّعًا لأرض كنعان كالتحقيق النهائي لما وعده الله به. حيث نقرأ في عبرانيين 11: 10 أن إبراهيم “كَان يَنْتَظِرُ الْمَدِينَةَ الَّتِي لَهَا الأَسَاسَاتُ، الَّتِي صَانِعُهَا وَبَارِئُهَا اللهُ.” فبحسب كاتب رسالة العبرانيين مات إبراهيم وإسحاق ويعقوب “وَهُمْ لَمْ يَنَالُوا الْمَوَاعِيدَ، بَلْ مِنْ بَعِيدٍ نَظَرُوهَا وَصَدَّقُوهَا وَحَيُّوهَا، وَأَقَرُّوا بِأَنَّهُمْ غُرَبَاءُ وَنُزَلاَءُ عَلَى الأَرْضِ” (عبرانيين 11: 13). فبالرغم من امتلاكهم لأرض كنعان وسكناهم فيها إلا أنهم لم ينالوا المواعيد التي اشارت إليها امتلاكهم لأرض كنعان. ولذا كانوا غرباء وهم في أرض الموعد لأنهم كانوا يبتغون وطنًا أفضل، أي المدينة السماويَّة التي قد أعدها الله لهم (عبرانيين 11: 16).

وهكذا نرى أنه لا يوجد تحقيقًا مستقبليًّا للشعب اليهودي بامتلاكهم لأرض فلسطين. لأن وعود الله لإبراهيم ونسله تحقّقت في المسيح نسل إبراهيم وفي كل من آمن به حيث يرث المسيح وشعبه العالم كله، السماء الجديدة والأرض الجديدة، حين تنزل أورشليم السماوية من فوق ويسكن الله مع شعبه ووسطهم والله نفسه يكون إلهًا لهم (رؤيا 21: 1–7). ويملك المسيح وشعبه على الأرض الجديدة إلى أبد الأبدين (رؤيا 22: 5).

د. ق. شريف جندي

 

Image

God’s Promise Kept and Abraham’s Hope Fulfilled

6 Then Joseph died, and all his brothers and all that generation. 7 But the people of Israel were fruitful and increased greatly; they multiplied and grew exceedingly strong, so that the land was filled with them. 8 Now there arose a new king over Egypt, who did not know Joseph. 9 And he said to his people, “Behold, the people of Israel are too many and too mighty for us. 10 Come, let us deal shrewdly with them, lest they multiply, and, if war breaks out, they join our enemies and fight against us and escape from the land.” 11 Therefore they set taskmasters over them to afflict them with heavy burdens. They built for Pharaoh store cities, Pithom and Raamses. 12 But the more they were oppressed, the more they multiplied and the more they spread abroad. And the Egyptians were in dread of the people of Israel. 13 So they ruthlessly made the people of Israel work as slaves 14 and made their lives bitter with hard service, in mortar and brick, and in all kinds of work in the field. In all their work they ruthlessly made them work as slaves. 15 Then the king of Egypt said to the Hebrew midwives, one of whom was named Shiphrah and the other Puah, 16 “When you serve as midwife to the Hebrew women and see them on the birthstool, if it is a son, you shall kill him, but if it is a daughter, she shall live.” 17 But the midwives feared God and did not do as the king of Egypt commanded them, but let the male children live. 18 So the king of Egypt called the midwives and said to them, “Why have you done this, and let the male children live?” 19 The midwives said to Pharaoh, “Because the Hebrew women are not like the Egyptian women, for they are vigorous and give birth before the midwife comes to them.” 20 So God dealt well with the midwives. And the people multiplied and grew very strong. 21 And because the midwives feared God, he gave them families. 22 Then Pharaoh commanded all his people, “Every son that is born to the Hebrews you shall cast into the Nile, but you shall let every daughter live.” Exod. 1:6-22

In this passage we find partial fulfillment of God’s original purpose of creating people for Himself. God wanted to establish His kingdom on earth as it is in heaven. When God created Adam and Eve He commanded them saying: “Be fruitful and multiply and fill the earth and subdue it, and have dominion over the fish of the sea and over the birds of the heavens and over every living thing that moves on the earth” (Gen. 1:28). The same command was given to Noah after the flood “Be fruitful and multiply and fill the earth” (Gen. 9:1, 7). This command was given to Adam and Noah in the context of the divine covenants that God made with them.

God wanted them to produce a great number of people, a nation, to worship God and glorify Him. However, neither of them was able to do so. It is not until we come to the Abrahamic covenant that we see God Himself promises Abraham that He will make of him a great nation and Abraham will be exceedingly fruitful (Gen. 12:2; 17:6; 18:18). God also promised Abraham and his children the land of Canaan (Gen. 12:7; 13:15; 15:18; 24:7; 26:4).

In Exod. 1:6-22 God’s promise was kept and Abraham’s hope was fulfilled as we read over and over again that the people of Israel were “fruitful and increased greatly; they multiplied and grew exceedingly strong, so that the land was filled with them.” (Exod. 1:7, 9, 12, 20). Israel has become great in number but they were in the wrong place, in Egypt, not in the Promised Land. So God in His sovereignty used Pharaoh and the Egyptians to put Israel under slavery so that later on He would get them out of Egypt using Moses to lead them to the Promised Land.

Within God’s sovereignty we also see God’s providence worked out in the fact that “the more they [Israelites] were oppressed, the more they multiplied and the more they spread abroad. And the Egyptians were in dread of the people of Israel.” (Exod. 1:12). We also see God’s providence in the story of the Hebrew midwives who feared God and He blessed them (Exod. 1:15-21).

Ultimately God’s original plan and His promises to Abraham were fulfilled in Christ who is the true seed of Abraham (Gal. 3:16), to whom all the promises were given and in whom were fulfilled (Rom. 15:8; 2 Cor. 1:20). We, having faith in Christ as that of Abraham in God, have become the true descendants of Abraham and heirs according to the promise (Rom. 4:16; 9:6-8; Gal. 3:29).

Trust God, for He is sovereign. Fear God, and He will bless you.

Rev. Dr. Sherif L. Gendy

slide-6-abraham

إبراهيم رأى يوم المسيح وتهلل

Image

في إنجيل يوحنا إصحاح 8 جاء الكتبة والفريسيون بامرأة للمسيح قد أُمسكت في زنا وغفر لها المسيح خطاياها وحررها من عبودية الخطية (الآيات 2 – 11). ثم بعدها أعلن المسيح أنه لم يأتي ليدين أحد بل ليعطي حياة لكل من يؤمن به (الآيات 12 – 29). وقد آمن بكلامه كثير من اليهود ولكنهم تعثروا في فهم تعاليمه بشأن كونهم عبيدا للخطية وأن الحق وحده هو الذي يحررهم منها. وعندما صرّحوا بأنهم أبناء إبراهيم ولذا فهم ليسوا عبيدا لأحد واجههم المسيح بحقيقة أنهم أبناء إبليس لأنهم يريدون أن يقتلوه حيث لم يكن لهم إيمان إبراهيم ولا أعماله (الآيات 30 – 47). وكانت عبارة المسيح أن من يحفظ كلامه لن يرى الموت إلى الأبد بمثابة صدمة لليهود حيث اتهموا المسيح بأن به شيطانا. ذلك لأن إبراهيم والأنبياء قد ماتوا وكأن ذلك دليلا على كونهم لم يحفظوا كلام المسيح (الآيات 47 – 53). وهنا صدمهم المسيح بحقيقتين: أولا أن إبراهيم تهلل بأن يرى يوم المسيح فرأى وفرح، وثانيا أن المسيح كائن قبل أن يكون إبراهيم. ونتيجة تلك الحقيقتين رفع اليهود حجارة لكي يرجموا المسيح حتى الموت لأنه في نظرهم قد جدّف حيث جعل نفسه مساويا لله (الآيات 56 – 59).

إن الحقيقة الثانية بأن المسيح كائن قبل أن يكون إبراهيم تؤكد على أزلية المسيح وتفتح المجال لفهم الحقيقة الأولى. لذا يبقى السؤال: كيف رأى إبراهيم يوم المسيح؟ وما هو هذا اليوم؟ وما هو الحدث الذي تم في حياة إبراهيم والذي ربما كان في ذهن المسيح حين قال هذا؟

هناك رأي يقول إن المسيح قد أعلن لإبراهيم في السماء قبل أن يتجسد عن يومه. حيث أن إبراهيم كان في السماء مع المسيح قبل تجسد المسيح. لكن هذا الرأي هو مجرد تخمين افتراضي لا يستند على نص كتابي.

قال راباي اكيبا، وهو أحد أشهر معلمين اليهود، أن إبراهيم قد أُعلن له الدهر الآتي الخاص بأيام المسيا. وهذا قاد البعض إلى الاعتقاد بأن ما حدث في تكوين 22: 13 – 15 قد يكون ما كان ذهن المسيح حين قال بأن إبراهيم تهلل بأن يرى يومه. ففي تكوين 22 نجد قصة امتحان الله لإيمان إبراهيم حيث طلب الله منه أن يصعد إسحاق محرقة. وبسبب إيمان إبراهيم قد دبّر الله ذبيحة بديلة وقدمها إبراهيم عوضا عن إسحاق وبالتأكيد كان هذا سبب فرح وسرور وبهجة شديدة لإبراهيم. وقد تكون فعلا هذه القصة هي التي كانت في ذهن المسيح خاصة وأن استبدال إسحاق بذبيحة تُقدم عوضا عنه يُعد صورة مُصغّرة لعمل المسيح الكفاري والنيابي حيث أنه مات عوضا عن شعبه.

هناك نص كتابي مهم قد يساعدنا في تحديد ما أشار له المسيح. في رسالة العبرانيين إصحاح 11: 17 – 19 نقرأ “بِالإِيمَانِ قَدَّمَ إِبْرَاهِيمُ إِسْحَاقَ وَهُوَ مُجَرَّبٌ. قَدَّمَ الَّذِي قَبِلَ الْمَوَاعِيدَ، وَحِيدَهُ الَّذِي قِيلَ لَهُ: «إِنَّهُ بِإِسْحَاقَ يُدْعَى لَكَ نَسْلٌ». إِذْ حَسِبَ أَنَّ اللهَ قَادِرٌ عَلَى الإِقَامَةِ مِنَ الأَمْوَاتِ أَيْضًا، الَّذِينَ مِنْهُمْ أَخَذَهُ أَيْضًا فِي مِثَال.” وهنا نجد تفسير كاتب رسالة العبرانيين (بوحي من الروح القدس) لطاعة إبراهيم وهو أنه حسب أن الله قادر على الإقامة من الأموات. بحيث أن إبراهيم كان يؤمن أنه حتى لو قدّم إسحاق محرقة فإن الله قادرٌ أن يقيمه من الأموات لأنه ابن الموعد. والسؤال هنا: كيف كان لإبراهيم هذا الإيمان بالقيامة من الأموات؟ فالإيمان يُبنى على إعلان من الله. فكيف أُعلن لإبراهيم أنه يوجد قيامة من الأموات؟ خاصة وأنه إلى وقت إبراهيم في التاريخ البشري لم تحدث قيامة من الأموات لأحد. ولم يرى إبراهيم أي شخص عاد من الموت إلى الحياة. الإجابة على هذا السؤال تكمن في تكوين إصحاح 18.

في تكوين 18: 1 نقرأ أن الرب “يهوه” ظهر لإبراهيم ثم في الآية 2 رفع إبراهيم عينيه ونظر ثلاثة رجال. وقد يظن البعض أن الثلاثة رجال هم الآب والابن والروح القدس. ولكن هذا ليس ما حدث لأنه من الناحية اللاهوتيّة الآب لا يتجسد لأحد. كما أن إبراهيم حين ركض وسجد إلى الأرض قال “يا سيد” بصيغة المفرد في الآية 3. والكلمة في العبري هي “أدوناي” وتعني رب أو سيد. وعندما ضحكت سارة في باطنها، وهي في الخيمة حين سمعت أنه سيكون لها ابن، تكلم الرب “يهوه” مع إبراهيم وسأله لماذا ضحكت سارة (الآية 13). فالرب وحده هو الذي يعلم ما يدور في باطن الإنسان. ثم بعدها صلى إبراهيم من اجل سدوم ودار الحوار التشفّعي بين إبراهيم والرب في الآيات 16 – 33. وطوال هذا النص نجد التأكيد على أن المتحدث مع إبراهيم هو الرب “يهوه”. ويعلن لنا إصحاح 19 من سفر التكوين أن الرجلين الأخرين هما مجرد ملاكان. وهكذا فإن الرب “يهوه” ظهر لإبراهيم مع ملاكين، وبالرغم من أن إبراهيم رأى ثلاثة رجال إلا أنه أدرك أن واحدا منهم فقط هو الرب “يهوه” ولذا سجد له وناداه بالسيد “أدوناي”. والسؤال: من هو هذا الرب الذي تحدث مع إبراهيم؟ إنه ليس سوى المسيح كلمة الله الذي منذ البدء كان مع الله (يوحنا 1: 1 – 2). فالمسيح هو واحد مع الآب في الجوهر وهو دائما واسطة إعلان الله عن نفسه للإنسان خلال تاريخ الفداء. فالله لم يره أحد قط ولكن المسيح ابن الله الوحيد الكائن في حضن الآب هو يخبّر عنه (يوحنا 1: 18). ذلك لأن الإنسان لا يستطيع أن يرى الله ويعيش (خروج 33: 20).

وحين انصرف الملاكين من عند إبراهيم وذهبوا نحو سدوم ظل إبراهيم قائما أمام الرب (تكوين 18: 22). ولا نعلم بالتحديد ما دار من حوار بينهم سوى ما أُعلن لنا في الآيات 23 – 33. ويمكننا أن نستنتج أن المسيح أعلن لإبراهيم حقائق إيمانية عن موته وقيامته من الأموات. وهذا يفسر لنا إيمان إبراهيم الذي ظهر جليّا بعدها في إصحاح 22 حين أمتحنه الله وهو ما يوافقه كلام كاتب رسالة العبرانيين بأن إبراهيم حسب أن الله قادر على الإقامة من الأموات. ولقاء المسيح الرب مع إبراهيم هو بلا شك مصدر فرح عظيم لإبراهيم. وقد يكون هذا اللقاء هو ما كان في ذهن المسيح حين قال إن إبراهيم تهلل بأن يرى يومه فرأى وفرح. فيوم المسيح هو يوم موته على الصليب وقيامته من بين الأموات.

من هنا نرى أن لقاء المسيح مع إبراهيم في تكوين 18، حيث أعلن المسيح عن موته وقيامته لإبراهيم، كان سبب رجاء عظيم لإبراهيم في أن الله قادر أن يقيم إسحاق من الأموات بعد أن يقدمه محرقة للرب. وما قاله المسيح لإبراهيم عن موته وقيامته من الأموات يُعد إعلانا ليوم المسيح الذي رآه إبراهيم وتهلل.

وليس غريبا أن يكون لمؤمني العهد القديم إعلانات خاصة لهم عن شخص المسيح وعمله الفدائي. فكاتب رسالة العبرانيين يقول أيضا عن موسى أنه بالإيمان “لَمَّا كَبِرَ أَبَى أَنْ يُدْعَى ابْنَ ابْنَةِ فِرْعَوْنَ، مُفَضِّلاً بِالأَحْرَى أَنْ يُذَلَّ مَعَ شَعْبِ اللهِ عَلَى أَنْ يَكُونَ لَهُ تَمَتُّعٌ وَقْتِيٌّ بِالْخَطِيَّةِ، حَاسِبًا عَارَ الْمَسِيحِ غِنًى أَعْظَمَ مِنْ خَزَائِنِ مِصْرَ، لأَنَّهُ كَانَ يَنْظُرُ إِلَى الْمُجَازَاةِ” (عبرانيين 11: 24 – 26). فموسى كان مدركا لعار المسيح، وهو العار الناتج عن حمله لخطية شعبه، وموته ملعونا على الصليب. يقول بعدها كاتب الرسالة عن موسى “بِالإِيمَانِ تَرَكَ مِصْرَ غَيْرَ خَائِفٍ مِنْ غَضَبِ الْمَلِكِ، لأَنَّهُ تَشَدَّدَ، كَأَنَّهُ يَرَى مَنْ لاَ يُرَى” (عبرانيين 11: 27). وما المقصود بعبارة “كَأَنَّهُ يَرَى مَنْ لاَ يُرَى”؟ من هو “مَنْ لاَ يُرَى”؟ إنه الله. وكيف له أن يرى الله إن لم يكن ذلك في وجه المسيح صورة الله؟! اقرأ أيضا 2 كورنثوس 4: 4، 6، فيلبي 2: 6، كولوسي 1: 15، عبرانيين 1: 3.

إن كان إبراهيم قد أُعلن له ورأى يوم المسيح وتهلل قبل أن يأتي هذا اليوم، فكم بالحري نحن الذين قد رُسم أمام أعيننا يسوع المسيح مصلوبا ومقاما من الأموات في الكلمة المقدسة؟! لنفرح ولنتهلل لأن فصحنا المسيح قد ذُبح لأجلنا. ولنسلك بحسب الرجاء المبارك في قيامة الأموات والمجد العتيد أن يُستعلن لأبناء الله. لتكن حياتنا لمجد المسيح وسلوكنا يعكس نعمة الله في كل تواضع ومحبة بقوة الروح القدس. أمين.

د. ق. شريف جندي

 

المسيح موسى الجديد بحسب متى البشير

يقدم لنا البشير متى شخص المسيح باعتباره مماثلاً لموسى في عدة أوجه لكنه في ذات الوقت أفضل من موسى. فالمسيح بحسب متى هو موسى جديد كالآتي:

1- موسى القديم كان مخلّصًا موعودًا به (خروج 3: 8)، وموسى الجديد هو المخلص الموعود به (متى 1: 21).

2- موسى القديم نزل لمصر (خروج 3 – 4)، وموسى الجديد نزل أيضًا إلى مصر (متى 2). لاحظ الآية في خروج 4: 19 “اذْهَبْ ارْجِعْ إِلَى مِصْرَ، لأَنَّهُ قَدْ مَاتَ جَمِيعُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَانُوا يَطْلُبُونَ نَفْسَكَ”، والآية في متى 2: 20 “لأَنَّه قَدْ مَاتَ الَّذِينَ كَانُوا يَطْلُبُونَ نَفْسَ الصَّبِيِّ”.

3- موسى القديم خرج من أرض مصر (خروج 4 – 12)، وموسى الجديد كذلك خرج من أرض مصر (متى 2: 19 – 21).

4- موسى القديم عبر في الماء (خروج 14)، وموسى الجديد عبر أيضًا في ماء المعمودية (متى 3: 13 – 17). لاحظ أن بولس الرسول يقول إن عبور شعب إسرائيل تحت السحابة واجتيازهم في البحر بقيادة موسى كان بمثابة معمودية لهم في السحابة وفي البحر (1 كورنثوس 10: 1 – 11).

5- موسى القديم جُرّب في البرية (خروج 16 – 17، سفر العدد)، وكذلك موسى الجديد جُرّب من إبليس في البرية (متى 4: 1 – 11).

6- موسى القديم استلم التوراه وهو على الجبل (خروج 20 – 31)، أما موسى الجديد فأعطى الشريعة وهو على الجبل أيضا (متى 5 – 7). وهنا نرى تفوق وسمو موسى الجديد عن موسى القديم. فموسى القديم صعد إلى الجبل الذي نزل عليه الله لكي يستلم من الله الشريعة أو التوراه (خروج 19: 11، 16 – 20). أما موسى الجديد فصعد إلى الجبل وجلس عليه، وتقدم إليه التلاميذ ليستلموا منه الشريعة كما استلم موسى الشريعة (متى 5: 1)، ثم فتح فاه متمثلا بيهوه الذي نزل على الجبل. وهنا نرى أن موسى الجديد ليس مجرد إنسانًا يستلم الشريعة من الله لكنه هو نفسه الله المعطي للشريعة.

7– موسى القديم صنع الرب من خلاله معجزات شفاء (خروج 15: 26)، وموسى الجديد كان هو نفسه شافيًا للشعب (متى 8: 17).

8- موسى القديم كان راعيًا للشعب (خروج 3، عدد 27: 17)، وموسى الجديد هو الراعي الصالح (متى 2: 6، 9: 36، 26: 31).

9- موسى القديم كان عبدًا للرب (تثنية 34: 5، يشوع 1: 1 – 2، 7، 13، 15)، وموسى الجديد هو أيضًا عبد الرب (متى 12: 18 – 21). لاحظ أن كلمة “فتاي” في متى 12: 18 تعني عبد في اليوناني وهي نفس الكلمة المستخدمة في الترجمة السبعينية “عبد” في الاشارة لموسى القديم في يشوع 1: 7، 13. لذلك كل الترجمات الانجليزية ترجمت كلمة “فتاي” servant في هذه الآية في متى 12: 18.

10- موسى القديم جاء بيده المن من السماء (خروج 16)، وموسى الجديد قدم طعامًا للشعب (متى 15: 32 – 39).

11- موسى القديم حصر الشعب في اثنى عشر سبط (عدد 1: 1 – 16، 7: 1 – 88، 10: 14 – 28)، وموسى الجديد أقام أثنى عشر تلميذا (متى 10: 1 – 4، 19: 28).

12- موسى القديم كلّمه الله وجهًا لوجه (خروج 33: 7 – 11، 34: 29 – 35، عدد 12: 4 – 8)، وكان نيره صعب حمله (أعمال الرسل 15: 10)، وطُردت الأمم من أمامه (خروج 33: 2، 34: 11). أما موسى الجديد فيعرف الآب والآب يعرفه، ونيره هين وحمله خفيف، ويدعوا الجميع إليه (متى 11: 25 – 30).

13- موسى الجديد ظهر له موسى القديم وإيليا في جبل التجلي (متى 17: 3 – 4).

14- موسى القديم أختار من يخلفه (تثنية 31: 7 – 8، يشوع 1: 7 – 9)، وموسى الجديد أقام أيضًا من يخلفه (متى 28: 16 – 20).

من خلال هذه التناظرات والتشابهات يتضح لنا أن متى البشير قصد أن يقدم لنا المسيح باعتباره موسى الجديد يكون نظيرًا للقديم ولكن متفوقًا عليه. ونجد نفس المقارنة في رسالة العبرانيين إصحاح 3 حيث يقدم لنا كاتب الرسالة موسى القديم باعتباره خادمًا أما موسى الجديد فهو ابنًا (عبرانيين 3: 5 – 6). فإن المسيح قَدْ حُسِبَ أَهْلاً لِمَجْدٍ أَكْثَرَ مِنْ مُوسَى (عبرانيين 3: 3).

د. ق. شريف جندي

 

Image

ظل المسيح في سفر نشيد الأنشاد

 Image

ليس الهدف من هذه الدراسة تقديم تفسيرا لسفر نشيد الأنشاد أية بأية وإنما هي مجرد قراءة لاهوتيَّة للسفر ككل مع تقديم بعض المبادئ التفسيريَّة.

هناك عدة عوامل ينبغي أن نضعها في الاعتبار ونحن نحاول أن نفهم سفر نشيد الأنشاد وأي نص كتابيّ بشكلٍ عام:

1- لكي نستطيع أن نفهم سفر نشيد الأنشاد ينبغي أن نحدد أولاً القالب الأدبيّ الذي كُتب به السفر. فكل قالبٍ أدبيّ يتم تفسيره بطريقةٍ معينة. فالنصوص التاريخيَّة مثلا تختلف في فهمها عن النصوص النبويَّة أو الرسائل الرعويَّة أو الأمثال، وهكذا.

2- ينغي أن نفهم السفر في ضوء القرينة الكتابيَّة التي وُضع فيها السفر. فترتيب الأسفار ليس بصدفة أو بدون أهميَّة لاهوتيَّة وتفسيريَّة. فالله في عنايته وسيادته قد جعل للأسفار المقدّسة ترتيبا معيَّنا في القانونيَّة (القانونيَّة هو مصطلحٌ لاهوتيّ المقصود به الأسفار المعتمدة والقانونيَّة التي اوحي بها الله في كلمته المقدّسة، والقانونيَّة تشمل أيضا ترتيب تلك الأسفار وترابطها اللاهوتيّ). وبالتالي ينبغي أن تكون القانونيَّة هي أحد العوامل الرئيسيَّة في فهمنا للسفر ولمحتواه اللاهوتيّ. أي كيف يرتبط السفر لاهوتيّا بباقي الأسفار التي جاءت قبله وبعده وكيف يرتبط السفر بالفكر العام في كل أسفار الكتاب المقدّس؟ وهل هناك عبارات لُغويَّة أو مفردات اصطلاحيَّة لاهوتيَّة داخل السفر تجعل هناك روابط لاهوتيَّة بينه وبين أسفار أخرى في القانونيَّة؟

3- ينبغي أن نفهم السفر في ضوء خطة الله لخلاص البشر والفداء في المسيح والتي أعلن عنها الله بشكل تدريجي من بدايَّة الأسفار المقدّسة وحتى أخر سفر في القانونيَّة. يبدأ الإعلان عن خطة الله للفداء في سفر التكوين مع خلق الإنسان ثم سقوطه في الخطيَّة ثم عمل المسيح الكفاريّ المعلن عنه في العهد الجديد الذي تم التمهيد له في احداث وشخصيات العهد القديم ثم إتمام الكلي لهذا الفداء بمجيء المسيح ثانيا عندما يكتمل ملكوت الله على الأرض، ونجد الإعلان عن هذا الإتمام في أسفار قانونيَّة كثيرة منها مثلا سفر الرؤيا.

4- ينبغي أن ندرك جيدا أن المسيح هو مركز الأسفار القانونيَّة وأن النصوص المقدّسة تشير لشخصه وعمله سواء بشكل مباشر أو عن طريق تشبيهات وظلال ورموز. وبالتالي ففهمنا للأسفار المقدّسة ينبغي أن يكون فهما كرستولوجيَّا (كرستولجي يعني مسيانيَّا أو مسيحيَّا أي في إشارةٍ لشخص المسيح (من هو؟) وعمل المسيح (ماذا تمم ويتمم وسيتمم؟).

5- لا ينبغي أن نصرف وقتا طويلا لمحاولة فهم من هو كاتب السفر. فإذا أعلن السفر، أو شهد أحد أسفار القانونية، بوضوح عن كاتبه وأعطى بعض الإرشادات عن الخلفيَّة التاريخيَّة التي كُتب فيها فهذا أمر جيد ويجب استخدامه في التفسير. ولكن إن لم يعلن السفر عن كاتبه أو ظروف الكتابة أو المكتوب إليهم فلا داعي لصرف وقت وجهد في محاولات تخمينيَّة افتراضيَّة لمعرفة هذه الأمور. فالله في عنايته لم يعلن لنا عن كل هذه المعلومات وهو مدرك تماما أنها غير إلزاميَّة لفهم كلمته المقدّسة وإلا كان قد أعلنها لنا.

نأتي الأن لسفر نشيد الأنشاد وسنتبع المبادئ السابق ذكرها في فهمنا لهذا السفر:

أولًا القالب الأدبي:

يتضح لنا في الأصل العبري أن السفر قد كُتب في صورة شعر أدبيّ يسرد أحداثا تاريخيَّة وليس نثرا. يرى البعض أن السفر هو عبارة عن قصّة ادبيَّة لأحداث تاريخيَّة تحكي زواج الملك سليمان من عروسه شُولَمِّيث (نشيد الأنشاد 6: 13). ولكن المشكلة في هذا الرأي هو أن القراءة المباشرة للسفر لا توضح حبكة القصّة المزعومة. فلكل قصّة ادبيَّة عدة عوامل كشخصيات القصّة والحبكة الدراميَّة وذروة الأحداث (أي العقدة) ثم الحل، وهكذا. لكننا لا نرى كل هذه العوامل في السفر. كما أن القصة الأدبيَّة غالبا ما يتم سردها باسلوبٍ نثريّ وإن كان هذا لا يمنع أن يُستخدم الشعر في سرد القصّة الادبيَّة. كما أنه هناك مرات يصعب علينا فهم من هو المتحدث في أجزاء السفر المختلفة كما يصعب تحديد الحدث المراد شرحه. ومرات نجد تكرارا لبعض أجزاء من السفر. ولذلك فإن كان القالب الأدبيّ قصصي فإن هذه القصة غير متماسكة من الناحيَّة الأدبيَّة.

القالب الأدبيّ الأكثر وضوحا للسفر هو أن السفر عبارة عن قصائد حبّ مكتوبة بأسلوبٍ شعريّ. ولأن السفر مجموعة من القصائد الشعريَّة فهذا يفسر لنا عدم الترابط الأدبيّ بين تلك القصائد المختلفة. ولأنه قصائد عن الحب فهذا يفسر لنا وجود تلميحات جنسيَّة داخل السفر. ولكن كون السفر مجموعة من قصائد الحب لا يمنع أن يكون هناك معاني ثانويَّة تشير إلى المسيح والكنيسة كما سنرى فيما بعد.

وما يؤيد هذا الرأي هو وجود تشابه بين بعض الأبيات الشعريَّة في السفر وبعض قصائد الحب الشعريَّة المصريَّة القديمة.[1] يرجع زمن كتابة هذه القصائد المصريَّة إلى ما بين 2000 إلى 1000 قبل الميلاد تقريبا. أي قبل الزمن الذي عاش فيه الملك سليمان. ولأن الحضارة المصريَّة في تلك الحقبة كانت لها تأثيرا كبيرا على باقي الممالك المجاورة فلا نتعجب إن وجدنا تشابها بين بعض من هذه الأشعار وبعض الأبيات الشعريَّة في سفر نشيد الأنشاد. وهذا التشابه يؤكد لنا طبيعة السفر من ناحيَّة القالب الأدبيّ. فالسفر هو عبارة عن مجموعة من قصائد الحب مكتوبة بشكل شعريّ.

وهذه القصائد الشعريَّة في سفر نشيد الأنشاد تمنحنا فهما خاصة للعلاقة الجنسيَّة الممتلئة بالحب على إنها مكانا مباركا ومقدّسا للحضور الإلهي. فتقدم هذه الأشعار قاعدة للاهوت يتم من خلاله كمال العلاقة الجنسيَّة وفدائها.

ثانيًا سفر نشيد الأنشاد كأدب الحكمة بحسب قانونيَّة العهد القديم:

إن سفر نشيد الأنشاد وكلا من الأمثال والجامعة منسوبين للملك سليمان حيث أنه هو مصدر أدب الحكمة في إسرائيل. فكما أن موسى هو مصدر الشريعة وداود هو مصدر المزامير كذلك سليمان هو مصدر أدب الحكمة. إن دور سليمان الملك كأحكم رجل في إسرائيل تم الإعلان عنه بشكل اوضح في سفر الملوك الأول (1 ملوك 3؛ 4: 29؛ 5). إن نسب سفر نشيد الأنشاد لسليمان في قانونيَّة العهد القديم يضع هذا السفر في قرينة كتابات أدب الحكمة. وحيث أن حكمة سليمان مصدرها الله فبالتالي الحب الموصوف في السفر هو حب إلهي.

إن ترتيب أسفار العهد القديم كما هو موجود بين أيدينا باللغة العربيَّة وكذلك الترجمات الإنجليزيَّة مأخوذ عن الترجمة السبعينيَّة للعهد القديم.[2] وبحسب هذا الترتيب تم تقسيم العهد القديم إلى أربعة أجزاء: التوراة (أو ناموس موسى)، الأسفار التاريخيَّة، الأسفار الشعريَّة، ثم الأسفار النبويَّة. لكن في النص العبري المعتمد والمعروف بالنص المازوري يوجد ترتيب مختلف لأسفار العهد القديم. وبحسب الترتيب العبري هذا تم تقسيم العهد القديم إلى ثلاثة أجزاء: التوراة (أو ناموس موسى)، والأنبياء، والمزامير (ليس المقصود سفر المزامير فحسب وإنما سُمى هذا القسم بالمزامير لأن سفر المزامير هو أول أسفار هذا الجزء). وإننا نجد الرب يسوع يشير إلى العهد القديم بأجزائه الثلاثة مما يؤيد اعتماد الترتيب العبري وتفوقه على ترتيب الترجمة السبعينيَّة. ففي لوقا 24: 44 وبعد القيامة ظهر المسيح للتلاميذ وأخذ يشرح لهم كيف أن كل العهد القديم يشير إلى شخصه وإلى عمله. قال المسيح: “هَذَا هُوَ الْكَلاَمُ الَّذِي كَلَّمْتُكُمْ بِهِ وَأَنَا بَعْدُ مَعَكُمْ: أَنَّهُ لاَ بُدَّ أَنْ يَتِمَّ جَمِيعُ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَنِّي فِي نَامُوسِ مُوسَى وَالأَنْبِيَاءِ وَالْمَزَامِيرِ.” وهنا يتضح لنا التقسيم الثلاثي للعهد القديم وذلك بحسب الترتيب العبري. وحيث أن نصوص العهد القديم باللغة العبريَّة هي الموحى بها وأن الترجمة السبعينيَّة هي في مجرد ترجمة لذلك وجب علينا أن نتّبع الترتيب العبري لأسفار العهد القديم لأن إشارة المسيح لهذا الترتيب جعل له أهميَّة وتميّز. والله في عنايته جعل من خلال قانونيَّة العهد القديم وترتيب أسفاره إطارا لاهوتيّا لفهم الأسفار المقدّسة ونصوصها. ولذلك فترتيب الأسفار هو في حد ذاته عامل أساسيّ ينبغي أن يوجه طريقة فهمنا لمحتوى الأسفار نفسها.

فمثلا بحسب الترتيب العبري للعهد القديم يأتي سفر الأمثال يليه سفر راعوث[3] ثم سفر نشيد الأنشاد. وفي سفر الأمثال نجد الحكمة مجسّدة في صورة امرأة (أمثال 8 – 9). ثم نجد وصفا للمرأة الفاضلة (أو الحكيمة) في أخر إصحاح في سفر الأمثال (أمثال 31). ثم يأتي سفر راعوث حيث نجد راعوث مثالا ونموذجا للمرأة الحكيمة الفاضلة التي وصفها الإصحاح الأخير في سفر الأمثال أي قبل سفر راعوث مباشرة.[4] وأخيرا نجد الاحتفال والتمتع بالمرأة الحكيمة في سفر نشيد الأنشاد. فقرينة ترتيب الأسفار القانونيَّة تعطي لنا إطارا لاهوتيّا نفهم من خلاله محتوى السفر والقصد منه.

يصوّر سفر نشيد الأنشاد وصول حاشيَّة الملك سليمان لحضور حفل زفافه. الحفل الذي امتد لمدة سبعة أيام. يُوصف الملك بالحب الذي يسعى وراء عروسه. وبالتالي فالسفر هو عبارة عن انعكاس الحكمة لطبيعة الحب المُبهجة والسريَّة بين الرجل والمرأة داخل إطار الزواج. والسفر أيضا هو عبارة عن احتفال بخليقة الله الصالحة مع التركيز على جانب الحب الإنسانيّ. الذي هو انعكاسا للحب الإلهي.

وهنا يجب أن نوضح عدة أمور خاصة بالمفهوم المسيحيّ الكتابيّ للحب الإنسانيّ والجنس في العلاقة الزوجيَّة:

1- خلق الله الإنسان على صورته. وفي قصة الخلق في تكوين 1 – 2 نجد أن الله كان يُقيّم كل شيء خلقه بعد إتمامه إذ يقول عنه أنه “حسن” (تكوين 1: 4، 10، 12، 18، 21، 25، 31). ولكن عندما خلق الله أدم كان تقيمه للأمر مختلفا إذ ولأول مرة في قصة الخلق يأتي تقييم الله للوضع على إنه “ليس جيدًا” (تكوين 2: 18). والكلمة “جيدًا” في اللغة العبريَّة هي نفس الكلمة “حسن” المستخدمة سابقا في تقييم الخليقة.

أي أن الله في حكمته لم يرى البشريَّة جيدة وحسنة إلا بخلق المرأة (قارن تكوين 1: 31 حيث يأتي تقييم الله العام لكل الخليقة بأن كل شيء قد عمله هو حسن جدا بعد أن خلق كل شيء بما فيه أدم وحواء). والسؤال لماذا؟ نجد الإجابة عن ذلك في تكوين 1: 28 حيث نجد التكليف الإلهي للإنسان بأن يثمر ويكثر ويملأ الأرض. وهو تكليف موجّه لأدم وحواء معا. أي على الإنسان أن يجعل من هذه الأرض ملكوتا لله بإنجاب ذرية تعبد الله وتمجده. ولكن كيف لأدم أن يتمم هذه المهمة لوحده. فهو يحتاج لامرأة كي تتم عمليَّة الإنجاب بشكل طبيعيّ. ولهذا نجد أن الله قد خلق في الإنسان الغريزة الجنسيَّة وباركها بل وتوقع منهم استخدامها لإتمام المهمة الإلهيَّة.  فالجنس هو جزء من خليقة الله الصالحة جدا. وهو أيضا عامل أساسي في إتمام الإرساليَّة التي كلّف بها الله الإنسان قبل السقوط. فالجنس ليس أحد نتائج السقوط كما يظن البعض. إن المفهوم المسيحيّ يرى أن الزواج مُكرّما والمضجع غير نجس (عبرانيين 13: 4). وبالتالي ينبغي فهم رسالة سفر نشيد الأنشاد في ضوء تكليف الله للإنسان والإرسالية التي كلفه بها واهتمام الله بالإنسان وبكل جوانب حياته بما فيه الحب والعلاقة الجنسيَّة التي خلقها الله فيه.

2- يعلمنا الكتاب المقدّس بكل وضوح أن الزواج في حد ذاته يشير إلى المسيح.  يقول بولس في أفسس 5: 32 “هذا السِّرُّ عَظيمٌ، وأعني بِه سِرَّ المَسيحِ والكنيسَةِ.” والسر هنا هو المقصود به تأسيس علاقة الزواج في تكوين 2. وبالتالي فعلاقة الزواج كما يرسمها لنا سفر نشيد الأنشاد تشير إلى عهد الحب الذي دخل فيه الله مع شعبه. وهناك نصوص مقدّسة أخرى من الأنبياء نجدهم فيها قد استخدموا الحب المتعلق بالزواج لكي يصفوا العلاقة بين الله واسرائيل (هوشع 1 – 2؛ إرميا 2: 2؛ 3: 1 – 3؛ إشعياء 50: 1؛ 54: 5؛ 62: 4؛ حزقيال 16؛ 23).

ثالثًا خطة الله للفداء وإعلانها بشكل تدريجي:

يساهم سفر نشيد الأنشاد في الإعلان عن خطة الله لفداء شعبه حيث يعلن الله عن هذه الخطة بشكل تدريجي عبر النصوص المقدّسة. إننا نجد بين أبيات سفر نشيد الأنشاد احتفالا بعودة الإنسان لجنَّة عدن. ففي الجنَّة كان أدم وحواء “عُريانَينِ، وهُما لا يَخجلانِ” (تكوين 2: 25). كان الإنسان حرا أن يأكل من ثمار الجنَّة وأن يحيا في تناغمٍ وتجانسٍ مع الحيوانات وأن يسير ويتحدث مع الله (تكوين 3: 8 – 9). ولكن بعد طرده من الجنَّة نتيجة الخطية وجد الإنسان نفسه في عالم الشقاء والتعاسة والحياة الصعبة المريرة. وسفر نشيد الأنشاد يقدّم لنا لمحة لعودة الإنسان لعدن. إنها عودة لحالة البراءة التي خُلق العالم لكي يكون عليها. إنها عودة إلى “العري وعدم الخجل”، عودة لبهجة الخليقة المطلقة والوجود في حضور الله (قارن نشيد الأنشاد 4: 12، 15 – 16؛ 5: 1؛ 6: 2). 

إن سفر نشيد الأنشاد يتحدث عن ملك اسرائيل الراعي، الذي هو من نسل داود، المقدم على إنه الشخص الإسرائيلي المثالي، مستمعا بعروسه المثاليَّة في جنَّة خصبة حيث تنعكس نتائج السقوط. فسفر نشيد الأنشاد مليء بصور مأخوذة عن الجنَّة تجسّد مشاهد متعددة من عدن. ومن المثير للاهتمام هو ما يمكن أم يكون ذروة تعبير السفر عن استعادة العلاقة الحميمة التي فقدت في تكوين 3 والتي يعبر عنها السفر بلغة لها أصداء بداية الاغتراب. فنهاية اللعنة على المرأة في تكوين 3: 16 تقول “إلى زَوجكِ يكونُ اَشتياقُكِ، وهوَ علَيكِ يسودُ.” وهذا ينعكس في نشيد الأنشاد 7: 10 حيث يقول “أنَا لِحَبِيبِي وَإِلَيَّ اشْتِيَاقُهُ.” والكلمة “اشتياق” الموجودة في تكوين 3: 16 هي نفس الكلمة المستخدمة في نشيد الأنشاد 7: 10. ففي اللعنة يكون اشتياق المرأة للرجل (أي أن تحاول أن تسود عليه وأن تكون هي الرأس) ولكن في نشيد الأنشاد الذي يمثل العودة لجنة عدن يكون اشتياق الرجل للمرأة (أي أن يقدم نفسه لأجلها).

ولذلك فعندما نتخذ تكوين 2 – 3 مفتاحا لفهم سفر نشيد الأنشاد نشترك في سيمفونيَّة الحب التي كانت للإنسان الأول. فقد خُلق الرجل والمرأة لكي يتبادلوا العواطف ويعيشوا في انسجام مع بعضهما البعض في الجنَّة، حيث تتحد الطبيعة والتاريخ كي يحتفلوا بالجسد الواحد الذي يتحقق بالعلاقة الجنسيَّة. فحبهم هو حقا “عَظْمٌ مِنْ عِظَامِي وَلَحْمٌ مِنْ لَحْمِي” (تكوين 2: 23) وصورة الله هذه في الذكر والأنثى هي حقا حسنة جدا.

ولكن السفر لا يعود فقط بالإنسان إلى حالة البراءة في جنَّة عندن وإنما يقود الإنسان إلى حالة أفضل بكثير من عدن وهي حالة اكتمال ملكوت الله على الأرض. وهنا يشير السفر إلى الحب في معناه الكامل والمقدّس عندما يتحقق ملكوت الله في ملئه على الأرض كما هو في السماء. فالسفر يرجع بالإنسان إلى ما قبل السقوط ويتطلع بنا إلى اكتمال تحقيق الملكوت. وما بين الحالتين نجد خطة الله لفداء شعبه تتحقق من خلال شخص المسيح وعمله.

رابعًا المسيح في سفر نشيد الأنشاد:

يشير سفر نشيد الأنشاد إلى شخص المسيح وعمله. إن الحب والزواج هو الموضوع الأساسيّ لسفر نشيد الأنشاد. وكما رأينا أن النصوص المقدّسة تستخدم الزواج كصورة أو ظل لعلاقة الله مع شعبه. ولكن الشخصيَّة الجليَّة في السفر هو العريس، أي الملك سليمان نفسه. فسليمان من دون كل الشخصيات وكل الملوك هو شخصيَّة العريس في السفر. وبالرغم من أن سليمان كان حكيما جدا إلا أن حكمته هذه لم تجعله يتبع متطلبات العهد الموسوي بعدم الزواج من الأجنبيات (تثنية 7: 1 – 3). وهذا السلوك جلب عليه التأديب الإلهيّ. لكن هذا لا يقلل من دور سليمان الفعّال ومكانته في اللاهوت الكتابيّ. دوره هذا نجده في إطار العهد الداوديّ (أي عهد الله مع داود) في 2 صموئيل إصحاح 7. ففي 2 صموئيل 7 يعد الله داود بابن يكون وارثا ووسيطا لبركة الله لشعبه داخل العهد. وعد الله أن يقيم نسل داود كي يرث داود، حيث “يَخْرُجُ مِنْ أَحْشَائِكَ وَأُثَبِّتُ مَمْلَكَتَهُ” (2 صموئيل 7: 12). بعد أن نضع نقاط فشله جانبا، نجد أن دور سليمان في مسرح اللاهوت الكتابيّ هو رمزا لشعب الله ووعد الله والخلاص في إطار العهد. فلأدم بعد خطيته، وعد الله أن نسل المرأة سوف يسحق رأس الحيَّة (تكوين 3: 15). ولنوح، وهو سائر في غيبوبة السكر، تعهد الله أن من نسل سام، ابن نوح، سوف يأتي المخلص (تكوين 9: 26). ولداود، بعد أن سقط في خطيَّة الزنا مع بثشبع وقتل زوجها، وعد الله أنه سيقيم نسل داود كوسيلة لخلاص شعبه. في كل المرات، وبالرغم من حالات الفشل الشخصيَّة، كان هناك وعدا شخصيّا من الله، والتحقيق الفوريّ لهذا الوعد هو ظلا لتحقيقا أعظم وأكمل في المسيح.

لذا فسليمان، وهو النتيجة المباشرة لوعد الله العهديّ لداود والميثاق العهدي بين الله وكنيسته، كان مثالًا (أو ظلا) للمركز الجوهري للعهد: الرب يسوع المسيح، الذي هو ابن داود (متى 1: 1)، وهو أصل وذريَّة داود (رؤيا 22: 16). إن العهد الجديد يبدأ وينتهي بالمسيح على اعتباره ابن داود، متطابقا مع كونه الإتمام والتحقيق النهائيّ والأكمل لوعد الله العهديّ بإرسال المخلص.

وبالتالي فإننا نجد أن شخصيَّة سليمان نفسه (وليس مجرد فكرة الزواج) في سفر نشيد الأنشاد هو المفتاح التفسيري للسفر. لأنه هو ابن داود الذي وعد به الله وارثا للعهد. ولهذا فهو ظلا ومثالا لابن داود الأعظم، الرب يسوع المسيح، الذي زواجه من الكنيسة يعتبر عقيدة أساسيَّة في العهد الجديد كما إنها استعارة أساسيَّة أيضا في العهد الجديد. وبالتالي فتفسير سفر نشيد الأنشاد على إنه مثالًا وظلًا لشخص المسيح لا يعتمد على استخدام كتّاب الكتاب المقدس لاستعارة الزواج وإنما على المكانة التي احتلها سليمان في الإعلان الكتابيّ المتدرج. 

تشابهات بين العهد الداوديّ وسفر نشيد الأنشاد:

يمكن توضيح الفكرة السابقة عن أن شخصيَّة سليمان في سفر نشيد الأنشاد هي ظل للمسيح من خلال شرح التشابهات بين مصطلحات العهد مع داود وبين مصطلحات سفر نشيد الأنشاد نفسه.

أولًا صورة الزرع والغرس:

يقول الله في 2 صموئيل 7: 10 أنه سيزرع (يغرس) شعبه في أرضهم.[5] وهذه الفكرة منتشرة خلال العهد القديم. فمزمور 80: 7 يصف اسرائيل على أنها كرمة مأخوذة (مقتلعة) من مصر وتم إعادة غرسها في كنعان. ويستخدم كلا من إشعياء 58: 11 وإرميا 31: 12 صورة الزرع والغرس عن شعب الله. فالله هو حقا الغارس (قارن يوحنا 15: 1) وشعبه هو الغرس. وفكرة الغرس والزرع هي الفكرة الأساسيَّة في العهد مع داود.

هناك إشارات كثيرة في سفر نشيد الأنشاد للحدائق والجنات في إشارة إلى سليمان (نشيد الأنشاد 6: 2) وفي إشارة إلى عروسه (نشيد الأنشاد 4: 12؛ 8: 13). إن أوصاف اوراق النباتات الخصبة والزهور العطرة في سفر نشيد الأنشاد تستدعي صورة فردوس جنَّة عدن التي أعدّها الله لأدم في فجر التاريخ البشري. ولهذا فالجنَّة التي دمّرها الإنسان بخطيته قد قرر الله أن يعيد بناءها وغرسها بنعمته، وصورة الجنَّة هذه نجدها بشكل متكامل في العهد الداوديّ.

في ضوء كل هذا فإن الإشارات إلى بساتين الملك وكرومه، حيث تستمتع العروس بالمودّة والقرب في حضوره، لها معاني أعمق. فالعريس هو الشجرة المتميزة بين شجر الوعر (نشيد الأنشاد 2: 3) وفي داخل جنته يستمتع بثمار ليس فقط زرعه وإنما أيضا ثمار حب عروسه. ولهذا ففي سفر نشيد الأنشاد يوجد صدى للعمل الإلهي في العهد. الله هو الإله الزارع. والكنيسة هي عمل يديه. وجماعة العهد الخاصة به هي جماعة مثمرة (قارن هوشع 14: 8؛ غلاطية 5: 22 – 23). فبركات الصداقة الحميمة والحب يمكن التمتع بها فقط كنتيجة مباشرة لعهد النعمة.

ثانيًا يركّز العهد الداوديّ على نسل داود (2 صموئيل 7: 12):

لاحظ أن الشخص المستفيد من العهد لا يُذكر اسمه في 2 صموئيل 7، ولا يُشار اليه على إنه ابن داود وإنما نسل داود.[6] الوعد بتثبيت مملكته وكرسيه يتحقق جزئيّا في سليمان، الذي هو ابن داود، ولكنه يمتد إلى ما هو أبعد منه، إلى المستفيد النهائي للعهد، أي الرب يسوع المسيح الذي هو نسل داود. فهو أصل وذريَّة داود (رؤيا 22: 16). المسيح جاء منه داود وهو جاء من داود. فتعاليم العهد الجديد عن المسيح مرسخة في العهد الداوديّ. وسليمان بطل سفر نشيد الأنشاد هو الوارث الموعود به في العهد. بالتالي هو مثال وظل للمسيح. ولكن إتمام العهد بشأن نسل داود يتحقق أيضا في الزواج نفسه. فالزواج هو عبارة عن اتفاق يحفظ ويربط الحب بين طرفين. هو أيضا هبة منحها الله لتكاثر البشريَّة. والله لم يقصد فقط أن يكون الزواج إطارا لعلاقة الحب ولكنه قصد أيضا أن يكون نتيجة الزواج استمتاع جسديّ للعلاقة الجنسيَّة التي ينتج عنها ولادة الأطفال. فالاتحاد الأسريّ مبني على أساس عهد الزواج. وبدون سفر نشيد الأنشاد قد نظن من التاريخ الكتابيّ أن سليمان لم يكن لديه زواج كامل بحسب فكر الله. مع إن الله قد أدّب سليمان تحديدا لأنه اتخذ لنفسه زوجات اجنبيات، مرتكبًا الزنا في داخله وطارحًا كل حذر واستقامة في مهبّ الريح. ولكن عندما تكثر الخطيَّة تزداد النعمة جدًا (رومية 5: 20). فبالرغم من خيانة سليمان وزناه، إلا أن الله يكّرم التزامه للفضيلة والزواج بتذكيرنا في سفر نشيد الأنشاد بهذا الزواج الممتلئ من بركة الله. وليس هذا فقط ولكن السفر يتطلع بنا إلى الله حين يتمم شروط الوعد العهدي: سيكون هناك نسلا. فسليمان لن يكون عاجزا وعروسه لن تكون عاقرا. فصورة الغرس، وصورة النسل تنتقل في قرينة الزواج إلى أمر متوقع ومنتظر، حيث تتحقق بركة العهد بشكل نهائي في قدوم ابن داود الأعظم، الرب يسوع المسيح. فالمسيح هو النسل الموعود به، وبالرغم من فشل سليمان في طاعة ناموس الله، إلا أن النعمة تكثر للدرجة التي فيها يكون رابطة الزواج هي الوسيلة التي من خلالها يأتي النسل الموعود به، أي المخلص الموعود به.

ثالثًا يركّز العهد الداوديّ على تثبيت واستمرار العرش الملكيّ:

يؤكد العهد الداوديّ على أن المملكة وكرسي المملكة سوف يثبتون (2 صموئيل 12 – 13). حيث يتعهد الله أن يضمن استمرار نسل داود ككرسيّ شرعيّ للسلطة وكمكان يُعرف على إنه مكان للبركة. والعلاقة قريبة جدا بين العرش الذي جلس عليه داود وبين الحكم الملكيّ الذي يمارسه الرب على شعبه حيث يقول سفر أخبار الأيام الأول “وَجَلَسَ سُلَيْمَانُ عَلَى كُرْسِيِّ الرَّبِّ مَلِكاً مَكَانَ دَاوُدَ أَبِيهِ” (1 أخبار الأيام 29: 23). فالكرسيّ الذي اعتلاه سليمان هو كرسيّ الرب. وبالتالي فالعرش الذي جلس عليه نسل داود ليس أقل من كونه عرش الله نفسه. ونفس الفكرة نجدها بوضوح في أخبار الأيام الثاني حيث يشار إلى مملكة الرب على إنها في يد بني داود (2 أخبار الأيام 13: 8).

يعرض سفر نشيد الأنشاد صفات وصور ملكيَّة في كثير من المواقع. فأورشليم وهي مدينة داود ذُكرت أكثر من مرة (1: 5؛ 2: 7؛ 3: 5، 10؛ 5: 8، 16؛ 6: 4؛ 8: 4)، وكذلك أيضا القصر الملكيّ (1: 4؛ 2: 4). وأوضح إشارة إلى مكانة سليمان الملكيَّة هي في 3: 9-11، حيث موكب تتويج سليمان، والإشارة إلى موضوع الزواج والتتويج. فسفر نشيد الأنشاد يركز على الفكرتين معا: مكانة الملك وزواجه. وهكذا يُنسج السفر من خلال مجموعة من التشبيهات والاستعارات التي ترسم لنا شخصيَّة سليمان ووظيفته تحت سيادة الله. وبالرغم من خطاياه الشخصيَّة وضعفاته، والتي هي كثيرة، إلا أنه كان يمتلك وظيفة رسميَّة كملك على شعب الله. وهذه الوظيفة تحديدا أتمت شروط العهد الذي صنعه الله مع أبيه. والتاج الذي كان على رأس سليمان كان رمزا قويا لأمانة إله سليمان. ولذلك أصبح صورة ومثال للتاج الذي وُضع يوما ما على رأس يسوع المسيح. فسفر نشيد الأنشاد يحتفل ليس فقط بالعريس الملكيّ والعروس الملكيَّة، وإنما يذكّرنا أيضا أن العريس ليس مجرد زوجا عاديا ولكنه شخصا قد ختم عليه الله، أي أنه ملكا لله. ومن المهم أن نتذكّر التميز، والتلازم، بين الإشارات إلى شخصيَّة سليمان وبين وظيفته طوال السفر.

رابعًا يركّز العهد الداوديّ على البنوّة الإلهيَّة للوارث الموعود به والمستفيد من العهد:

أعلن الرب وبشكل جليّ عن ابن داود “أَنَا أَكُونُ لَهُ أَباً وَهُوَ يَكُونُ لِيَ ابْناً.” (2 صم 7: 14؛ تكرر في مز 89: 26 – 27). فالعهد له وظيفة تبنيّ فيما يختص بابن داود، من خلال فضل اختيار الله له، كان عليه أن يدخل في علاقة فريدة مع الله. هذه العلاقة الفريدة نجد ظلا لها في قصة ميلاد سليمان. فعندما ولدته بثشبع يقول الكتاب المقدّس أن “الرَّبُّ أَحَبَّهُ” (2 صموئيل 12: 24). وهذا الحب ظهر في الاسم الذي كثيرا ما ننساه وكان الرب قد أطلقه على سليمان: يديديا، ومعناه “محبوب الرب” (2 صموئيل 12: 25). في مزمور 89: 27 جعل الرب داود بكرا بالرغم من أن داود لم يكن فعليّا أول ملك على إسرائيل ولم يكن أول ابنا مولودا لوالديه. إن اختيار داود نجد صدى له في المكانة والعلاقة مع الله التي احتلها سليمان. فمن دون كل عائلة داود اختار الله سليمان كابن له. لذا فإنه في غايَّة الأهميَّة أن أعظم قصيدة حب في العهد القديم كانت قصيدة سليمان، وليس أحدا أخرا. وإن كان إسهام سفر نشيد الأنشاد للقانونيَّة يقتصر على مجرد الاحتفال بالحب الإنساني في أقصى درجات نقائه، فكان من الممكن أو المفترض جدلا أن تظهر في السفر أي شخصيَّة أخرى. ولكن في الواقع الشخصيَّة الرئيسيَّة في السفر هو سليمان، حيث دُعي تحديدا ليس مجرد محبوب شولميث ولكن محبوب الرب، وليس مجرد ابن داود العظيم ولكن ابن الله القدير. فكلما ذُكر سليمان في السفر تأتي الإشارة للعهد. فهو النسل الملكيّ الموعود به والذي جعله الله خاصته. فسفر نشيد الأنشاد، وإن كان لا يشير تحديدا إلى أجداد العريس الملكيّ، مع ذلك يستدعي المكانة المتميّزة التي احتلها العريس في تجلي إعلان الله. فهو ليس عريس عادي وليس ملك عادي.  

خامسًا يركّز العهد الداوديّ على رحمة الله ومحبته الغير قابلة للتغير: 

يذكر 2 صموئيل 7: 15 بكل وضوح الوعد أن رحمة الله (والكلمة العبريَّة المترجمة رحمة تشير إلى رحمته ومحبته وأمانته في إطار العهد) لن تنزع من نسل داود. وقد جاءت كلمة الحياة إلى كنيسة العهد القديم في الإعلان عن رحمة وأمانة الله. وهذا الوعد هو ما جعل داود يتوقع أمورا أعظم. فهو علم أن الله تكلم “إِلَى زَمَانٍ طَوِيلٍ” (2 صموئيل 7: 19). ولهذا فقد علم داود أن الله من خلال العهد قد أحب شعبه لذلك يمكنه أن يتنبأ أن الملك الأعظم سوف يأتي من صلبه. وبالرغم من بعض الأفعال الفرديَّة التي قام بها نسل داود (بما فيه سليمان) والتي هي بمثابة عصيان لله وفقدانهم لبركات العهد، فهذا لا يؤثر على حتميَّة القسم الإلهيّ. حيث يؤكّد الله بشدة على إخلاص واستمراريَّة عهده مع داود بالرغم من ظهور بعض الشخصيات في نسل داود التي بدت وكأنها غير جديرة بالعهد. وفي عرضه للأخبار السارة يدعو النبي إشعياء الجميع إلى عهد أبديّ (إشعياء 55: 1-3)، أي مراحم داود الصادقة. فالعهد في أساسه هو دعوة للجميع كي يقبلوا الأخبار السارة.

وبالرغم من أن الكلمة العبريَّة المترجمة رحمة غير موجودة في سفر نشيد الأنشاد إلى أن الفكرة البارزة في السفر هي الحب الذي هو أقوى من الموت (نشيد الأنشاد 8: 6). فالحب هو ذلك الشيء الذي لا يستطيع الموت أن يدمّره. وإن كان على المستوى الإنسانيّ ينتصر الموت، حتى في أصدق أشكال الحب بين الحبيبين يفصل الموت بينهما. ولكن الحب الذي يحتفل به سفر نشيد هو شيء ثابت، شيء أبديّ. فالحب لا تغمره المياه الكثيرة (نشيد الأنشاد 8: 7). ومن الملفت للنظر أن إشعياء وفي القرنيَّة التي ذكرناها سابقا يتحدث عن الطوفان (إشعياء 54: 8 – 9)، وهو إشارة إلى العهد النوحويّ وحتميَّة نعمة الله الثابتة إلى الأبد. فرحمة العهد هي الفكرة المسيطرة على هذا النص “بِإِحْسَانٍ أَبَدِيٍّ أَرْحَمُكِ” (إشعياء 54: 8). يربط إرميا بين فكرة الحب وبين فكرة الرحمة الأبديَّة في إرميا 31: 3 حيث يقول الله لشعبه “مَحَبَّةً أَبَدِيَّةً أَحْبَبْتُكِ، مِنْ أَجْلِ ذلِكَ أَدَمْتُ لَكِ الرَّحْمَةَ”.[7] والربط بين فكرة الحب وفكرة أمانة ورحمة العهد هو بمثابة تكامل في العرض النبويّ عن الرب الذي هو عروس الكنيسة. فالحب هو ذلك الشيء الذي لا تستطيع أن تقتنيه ثروة بيت الإنسان (نشيد الأنشاد 8: 7). وفي ضوء التفاعل داخل العهد الداوديّ بين رغبة داود أن يبني بيتا لله وبين عزم الله على أن يبني بيتا (أي مملكة) لداود، نجد أن هذه العلاقة مهمة. فالدرس الذي تعلّمه داود هو أنه امتياز أعظم أن تكون موضوع بناء الله عن أن تكون باني بيتا لله. فحكمة الأخبار السارة تتمركز ليس حول ما نستطيع أن نعمله نحن من أجل الله ولكن ما يستطيع أن يعمله الله من أجلنا. وبالمثل فنفس فكرة محبة الله العهديَّة وأمانته للعهد، كونهم شيئان متكاملان لإعلان عهد نعمته مع داود، أصبح هذا أيضا الموضوع الغالب في سفر نشيد الأنشاد. فسفر نشيد الأنشاد هو حقا نشيد ابن داود. 

الخاتمة:

إن التفسير المجازي الشائع لسفر نشيد الأنشاد لا يهتم بالخلفيَّة التاريخيَّة للسفر ولا بشخصيات السفر كشخصيات لها دور في تاريخ الإعلان الإلهي لخطة الفداء. وأيضا التفسير الحرفي الذي يرى السفر على أنه مجرد أشعار للحب بين سليمان وزوجته أيضا لا يفي الغرض من السفر حيث أنه جزء من قانونيَّة الأسفار المقدّسة والتي تشير بشكل شامل ومحدد لشخص وعمل المسيح وتعلن بشكل تدريجي عن خطة الله لفداء شعبه.

وبالتالي فيجب فهم سفر نشيد الأنشاد في ضوء عمل الله وإعلانه عن الفداء وتحديدا في ضوء عهد النعمة الذي أقامه مع داود. وكما رأينا فإن السفر يحمل في داخله صورا وإشارات واستعارات ودلالات لاهوتيَّة تشير إلى ربطه بالعهد الداوديّ وتمثل لنا الدليل الذي من خلاله نفهم السفر. وبهذا المعنى فالسفر يحتفل حقًا بالحب الإنساني وليس أقل من ذلك ولكنه في ذات الوقت يحمل معاني أكثر من ذلك بكثير جدًا.

في العهد القديم كان اليهود هم الشعب المتميّز الذي عليه أن يرحّب بالأمم في هيكل الله ويحملون رسالة التوبة لهم. وفي سفر نشيد الأنشاد لا يوجد امتياز لهم. فكل النساء تتنافس على حب سليمان ولكن الأميرة شُولَمِّيث تستولي على حبه بجمالها ووجدانها ومثابرتها. والتطبيق لهذا الموقف هو أن اليهود والأمم متساوون في نظر الله. حيث أن شُولَمِّيث كانت من الأمم وليست من اليهود. فبالرغم من كونها غريبة عن العهد وجماعة العهد إلا أنها بفضل زواجها من سليمان قد اندمجت في هذه الجماعة. فزواجها من ابن داود أدى إلى جعلها وريثة لله، ووارثة مع سليمان لبركات العهد، كعضوة كاملة في جماعة العهد، وكأنها لم تكن أي شيء خلاف ذلك من قبل. ويعتبر هذا هو جوهر رسالة الإنجيل، أننا أصبحنا “وَرَثَةُ اللهِ وَوَارِثُونَ مَعَ الْمَسِيحِ” (رومية 8: 17). هذا هو قلب العهد. تجمع رسالة أفسس هذه الأفكار معا. فهؤلاء الذين كان بالطبيعة “بِدُونِ مَسِيحٍ، أَجْنَبِيِّينَ عَنْ رَعَوِيَّةِ إِسْرَائِيلَ، وَغُرَبَاءَ عَنْ عُهُودِ الْمَوْعِدِ” (أفسس 2: 12) قد أصبحوا قريبين بدم المسيح، قريبين جدا، للدرجة التي فيها أصبحت الكنيسة هي عروسه (أف 5: 32).

وبالرغم من إننا يجب أن نتجنب التفسير المجازي والرمزي الذي يتجاهل الأحداث والشخصيات التاريخيَّة في السفر إلا أنه من الواضح جدا أن العهد الداوديّ يفتح لنا بابا لتفسير سفر نشيد الأنشاد. ففي ضوء الإعلان عن العهد في تاريخ الفداء يمكننا أن نقول إن احتفال سفر نشيد الأنشاد بالحب الإنسانيّ يشكّل الفرصة الملائمة لموضوعه الأكبر، حيث يجب أن نرى أبعد من هذا، لأن أعظم من سليمان ههنا.

فالسفر يتغنى بابن داود،[8] الذي هو ملك،[9] بمصطلحات مثاليَّة.[10] فعلى الرغم من الغربة التي يجب التغلب عليها، يتمتع هذا الملك، الذي هو نسل المرأة، ونسل ابراهيم، ونسل يهوذا، ونسل داود، بعلاقة حميمة تخلو من الخجل مع حبيبته،[11] في جنته التي هي ملكه.[12] وهذه كلها تعتبر صورا وظلالا مسيانيَّة تشير إلى شخص وعمل المسيح.

فمن خلال أشعار سفر نشيد الأنشاد تبصر البقيَّة التقيَّة في إسرائيل لمحة عن ذلك الشخص الذي سيأتي ليعيدهم إلى جنَّة عدن. ففي الخراب والدمار الذي اختبره الشعب خارج جنَّة عدن، وعلى الرغم من أن قلوب بعض ملوكهم قد انحرفت بعيدا عن طرق الرب من خلال النساء الأجنبيات، يتغنّى السفر بجمال الملك الذي سوف يجمعهم معا مرة أخرى. ومن المناسب أن يكون سفر نشيد الأنشاد شعرا حين أن الشعر هو مرآة تجعل ما قد تشوه جميلا.

 بعض المراجع المستخدمة:

Iain D. Campbell “The Song of David’s Son: Interpreting the Song of Solomon in the Light of the Davidic Covenant.” Westminster Theological Journal 62, no. 1 (March 1, 2000): 17-32.

Hamilton, James M, Jr. “The Messianic Music of the Song of Songs: A Non-Allegorical Interpretation.” Westminster Theological Journal 68, no. 2 (September 1, 2006): 331-345.   

[1] للاطلاع على بعض النماذج لقصائد الحب الشعريَّة المصريَّة القديمة يمكن الرجوع إلى المواقع الأتية:

http://www.love-poetry-of-the-world.com/Egyptian-Love-Poetry-Poem1.html

http://www.humanistictexts.org/egyptlov.htm

http://www.fordham.edu/halsall/ancient/2000egypt-love.html

[2] الترجمة السبعينيَّة هي ترجمة للعهد القديم تمت ما بين القرن الثاني والقرن الأول قبل الميلاد. وقد تم ترجمة كل العهد القديم من اللغة العبريَّة إلى اللغة اليونانيَّة في مدينة الإسكندريَّة بمصر. وذلك لأن اللغة اليونانيَّة كانت سائدة في ذلك الوقت بين اليهود. وسرعان ما اصبحت هذه الترجمة معتمدة ومنتشرة حتى إن هناك اقتباسات كثيرة في العهد الجديد سواء للمسيح أو الرسل من تلك الترجمة.

[3] ينبغي أن ننظر لسفر راعوث على أنه أحد أسفار الحكمة (مع سفر الأمثال والجامعة) وذلك بحسب الترتيب العبري للأسفار وليس سفرا تاريخيّا بحسب ترتيب الترجمة السبعينيَّة.

[4] لاحظ أن تعبير “اِمْرَأَةٌ فَاضِلَةٌ” في اللغة العبريَّة المذكور في أمثال 31: 10 هو نفسه مستخدم لراعوث في راعوث 3: 11 حيث لُقبت بامرأة فاضلة.

[5] الكلمة العبريَّة “غرس” المستخدمة في 2 صموئيل 7: 10 هي نفسها الكلمة العبريَّة المستخدمة في تك 2: 8.

[6] الكلمة العبريَّة المترجمة “ابن” تختلف عن الكلمة العبريَّة المترجمة “نسل”.

[7] الكلمة المترجمة “أحببتك” هي نفس الكلمة العبريَّة المترجمة حب في سفر نشيد الأنشاد. والكلمة المترجمة “الرحمة” هي نفس الكلمة العبريَّة المترجمة رحمة في العهد الداوديّ في 2 صموئيل 7: 15.

[8] نشيد الأنشاد 1: 1، 5؛ 3: 9، 11؛ 8: 11، 12.

[9] نشيد الأنشاد 1: 4، 12؛ 3: 9، 11؛ 7: 5.

[10] نشيد الأنشاد 3: 6-11؛ 5: 10-16.

[11] نشيد الأنشاد 2: 16-17؛ 4: 16ب-5: 1؛ 6: 2-3؛ 7: 11-13؛ 8: 3، 13-14.

[12] نشيد الأنشاد 6: 2.

د. ق. شريف جندي

 

Image

What does it mean to be Reformed?

what-does-it-meand-to-be-reformed

It is to believe in the supreme authority of the Scriptures of the Old and New Testaments as God’s inspired, inerrant, and infallible Word.

It is to believe in the Five Solas of the Reformation. They are as follows: “Sola Scriptura” (Scripture Alone); “Sola Gratia” (Grace Alone); “Sola Fide” (Faith Alone); “Solus Christus” (Christ Alone); and “Soli Deo Gloria” (Glory to God Alone).

It is to believe in the Doctrines of Grace (i.e., the Five Points of Calvinism “TULIP”). They are as follows: Total Depravity, Unconditional Election, Limited Atonement, Irresistible Grace, and Perseverance of the Saints.

It is to subscribe to the Westminster Confession of Faith with the Larger and Shorter Catechisms.

It is to cherish the Three Forms of Unity. They are as follows: Belgic Confession, the Canons of Dort, and the Heidelberg Catechism.

The Reformed Faith is the most consistent form of Christianity.

Rev. Dr. Sherif L. Gendy

ما هو علم اللاهوت الكتابي؟

Image

هو علم دراسة إعلان خطَّة الله للفداء في التاريخ من خلال المسيح بعمل روحه القدُّوس كما هو مُدوَّن في الكتاب المُقدَّس بوحدته الهيكليَّة والعضويَّة الشاملة وفيما يتعلَّق بالأدوار التي لعبتها الشخصيَّات، والأحداث، والمُؤسَّسات الكتابيَّة في النهوض بتاريخ الفداء هذا.

د. ق. شريف جندي

 

Image

النقطة الكلفينية الخامسة: مثابرة القديسين Perseverance of the Saints

Image

نأتي الأن إلى أخر نقطة من النقاط الكلفينية الخمسة. وبناءً على ما سبق شرحه من النقاط السابقة يكون من المنطقي أن عمل الله في صليب يسوع المسيح وفداءه لشعبه وتطبيق الخلاص عليهم بالنعمة يكون عملا كاملا لا ينقصه شيئا في النهاية. ولكن المنطق وحده لا يكفي لفهم الحق الكتابي لذا علينا أن ننظر إلى ما تقوله كلمة الله المقدسة في هذا الشأن.

تعني هذه النقطة أن كل المؤمنين المعينين للخلاص، من فداهم المسيح بموته على الصليب من أجلهم نيابة عنهم ومن أحتسب لهم بره، هؤلاء محفوظون في الإيمان بقوة الله إلى النهاية. فالعمل العظيم لله في الخلاص قد بدأ قبل تأسيس العالم حين خصص لنفسه شعبا مختارا ليكونوا أمة مقدسة بلا لوم أمامه “كَمَا اخْتَارَنَا فِيهِ قَبْلَ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ، لِنَكُونَ قِدِّيسِينَ وَبِلاَ لَوْمٍ قُدَّامَهُ فِي الْمَحَبَّةِ” أفسس 1: 4، “وَأَمَّا نَحْنُ فَيَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَشْكُرَ اللهَ كُلَّ حِينٍ لأَجْلِكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ الْمَحْبُوبُونَ مِنَ الرَّبِّ، أَنَّ اللهَ اخْتَارَكُمْ مِنَ الْبَدْءِ لِلْخَلاَصِ، بِتَقْدِيسِ الرُّوحِ وَتَصْدِيقِ الْحَقِّ” 2 تسالونيكي 2: 13. وأستمر عمل الخلاص حين أرسل الله ابنه إلى العالم لكي يموت لأجل المختارين، ثم يستمر العمل الآن حين يعمل الروح القدس لكي يحضر كل المختارين إلى الإيمان الخلاصيّ في المسيح حتى يختبروا كل بركات وامتيازات حياته وموته. والله يثابر في عمله الذي بدأه في شعبه. “لأَنَّ الَّذِينَ سَبَقَ فَعَرَفَهُمْ سَبَقَ فَعَيَّنَهُمْ لِيَكُونُوا مُشَابِهِينَ صُورَةَ ابْنِهِ، لِيَكُونَ هُوَ بِكْرًا بَيْنَ إِخْوَةٍ كَثِيرِينَ. وَالَّذِينَ سَبَقَ فَعَيَّنَهُمْ، فَهؤُلاَءِ دَعَاهُمْ أَيْضًا. وَالَّذِينَ دَعَاهُمْ، فَهؤُلاَءِ بَرَّرَهُمْ أَيْضًا. وَالَّذِينَ بَرَّرَهُمْ، فَهؤُلاَءِ مَجَّدَهُمْ أَيْضًا” رومية 8: 29-30. وهنا نرى أن كل من اختارهم الله وعينهم للخلاص سوف يخلصون تمامًا في المجد. لأن من جددهم الله بروحه القدوس سوف يحفظهم في يده إلى الأبد.

 ولأن الله يثابر فالمؤمنين أيضا يثابرون “لأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَامِلُ فِيكُمْ أَنْ تُرِيدُوا وَأَنْ تَعْمَلُوا مِنْ أَجْلِ الْمَسَرَّةِ” فيلبي 2: 13. فالخلاص هو عمل الله وهو لا يفشل أو يخفق فيه أبدا “أَنْتُمُ الَّذِينَ بِقُوَّةِ اللهِ مَحْرُوسُونَ، بِإِيمَانٍ، لِخَلاَصٍ مُسْتَعَدٍّ أَنْ يُعْلَنَ فِي الزَّمَانِ الأَخِيرِ” 1 بطرس 1: 5.

 لذلك فطبقًا لهذه العقيدة لا يمكن للمؤمن الحقيقي أن يفقد خلاصه. لأن الآب قد اختاره (من قبل تأسيس العالم)، والأبن قد فداه (في ملء الزمان)، والروح القدس قد طبق عليه الخلاص (يوم تجديده بعمل النعمة في قلبه بالروح القدس)، ولهذا فهؤلاء المخلصين هم محروسون إلى الأبد. فهم محفوظون إلى الأبد في المسيح. يقول المسيح: “خِرَافِي تَسْمَعُ صَوْتِي، وَأَنَا أَعْرِفُهَا فَتَتْبَعُنِي. وَأَنَا أُعْطِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً، وَلَنْ تَهْلِكَ إِلَى الأَبَدِ، وَلاَ يَخْطَفُهَا أَحَدٌ مِنْ يَدِي” يوحنا 10: 27 – 28. وهنا يقول المسيح أن خرافه لن تهلك إلى الأبد. “اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: مَنْ يُؤْمِنُ بِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ” يوحنا 6: 47، وهنا يوصف الخلاص على أنه حياة أبدية. “وَهذِهِ مَشِيئَةُ الآبِ الَّذِي أَرْسَلَنِي: أَنَّ كُلَّ مَا أَعْطَانِي لاَ أُتْلِفُ مِنْهُ شَيْئًا، بَلْ أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ” يوحنا 6: 39، وهنا يؤكد المسيح على حقيقة أنه لن يفقد أولئك الذين قد أعطاهم الآب له بل سيتمجدوا في اليوم الأخير.

“إِذًا لاَ شَيْءَ مِنَ الدَّيْنُونَةِ الآنَ عَلَى الَّذِينَ هُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، السَّالِكِينَ لَيْسَ حَسَبَ الْجَسَدِ بَلْ حَسَبَ الرُّوحِ” رومية 8: 1، وهنا يقول الرسول بولس أنه ليس دينونة على من هم في المسيح يسوع. “لَمْ تُصِبْكُمْ تَجْرِبَةٌ إِلاَّ بَشَرِيَّةٌ. وَلكِنَّ اللهَ أَمِينٌ، الَّذِي لاَ يَدَعُكُمْ تُجَرَّبُونَ فَوْقَ مَا تَسْتَطِيعُونَ، بَلْ سَيَجْعَلُ مَعَ التَّجْرِبَةِ أَيْضًا الْمَنْفَذَ، لِتَسْتَطِيعُوا أَنْ تَحْتَمِلُوا” 1 كورنثوس 10: 13، حيث يعد الله ألا يجعلنا أبدا نجرب فوق ما نستطيع. “وَاثِقًا بِهذَا عَيْنِهِ أَنَّ الَّذِي ابْتَدَأَ فِيكُمْ عَمَلاً صَالِحًا يُكَمِّلُ إِلَى يَوْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ” فيلبي 1: 6، حيث أن الله هو الأمين والقادر أن يكمّلنا (أي يأتي بنا إلى الكمال) إلى يوم عودة المسيح. فعمل التقديس الذي يقوم به الله بروحه القدوس بالنعمة في حياة مختاريه سوف يستمر إلى أن يصل إلى كماله وإتمامه نهائيا في الحياة الأبدية.

د. ق. شريف جندي

 

 Image

النقطة الكلفينية الرابعة: النعمة التي لا تُقاوم Irresistible Grace

 Image

وهذه النقطة تعني أنه عندما يدعو الله المختارين للخلاص، لا يمكنهم أنا يقاوموا. فالله يقدم رسالة الإنجيل لكل الناس بلا استثناء. وهذا يسمى الدعوة العامة (أو الخارجية). وهناك أمثلة من الإنجيل للدعوة العامة مثل “تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ. اِحْمِلُوا نِيرِي عَلَيْكُمْ وَتَعَلَّمُوا مِنِّي، لأَنِّي وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ الْقَلْبِ، فَتَجِدُوا رَاحَةً لِنُفُوسِكُمْ. لأَنَّ نِيرِي هَيِّنٌ وَحِمْلِي خَفِيفٌ».” متى 11: 28 – 30.

لكن للمختارين والمعينين للخلاص يقدم الله دعوة داخلية وخاصة وهذه الدعوة لا تُقاوم. فهذه الدعوة هي بالروح القدس الذي يعمل في قلوب وعقول المختارين لكي يقودهم للتوبة والتجديد حيث يزرع فيه الرغبة في القدوم بحرية إلى الله. إن بعض الأيات التي توضح هذه النقطة هي “فَإِذًا لَيْسَ لِمَنْ يَشَاءُ وَلاَ لِمَنْ يَسْعَى، بَلْ ِللهِ الَّذِي يَرْحَمُ.” رومية 9: 16، “إِذًا يَا أَحِبَّائِي، كَمَا أَطَعْتُمْ كُلَّ حِينٍ، لَيْسَ كَمَا فِي حُضُورِي فَقَطْ، بَلِ الآنَ بِالأَوْلَى جِدًّا فِي غِيَابِي، تَمِّمُوا خَلاَصَكُمْ بِخَوْفٍ وَرِعْدَةٍ، لأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَامِلُ فِيكُمْ أَنْ تُرِيدُوا وَأَنْ تَعْمَلُوا مِنْ أَجْلِ الْمَسَرَّةِ.” فيلبي 2: 12-13، “فَقَالُوا لَهُ: «مَاذَا نَفْعَلُ حَتَّى نَعْمَلَ أَعْمَالَ اللهِ؟»   أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ: «هذَا هُوَ عَمَلُ اللهِ: أَنْ تُؤْمِنُوا بِالَّذِي هُوَ أَرْسَلَهُ».” يوحنا 6: 28-29. وهنا يوضح المسيح أن الإيمان هو عمل الله. “فَلَمَّا سَمِعَ الأُمَمُ ذلِكَ كَانُوا يَفْرَحُونَ وَيُمَجِّدُونَ كَلِمَةَ الرَّبِّ. وَآمَنَ جَمِيعُ الَّذِينَ كَانُوا مُعَيَّنِينَ لِلْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ.” أعمال 13: 48، وهذه الأية توضح بشدة أن المعينين للحياة الأبدية يؤمنون بسبب عمل الله في قلوبهم. “وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللهِ، أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ. اَلَّذِينَ وُلِدُوا لَيْسَ مِنْ دَمٍ، وَلاَ مِنْ مَشِيئَةِ جَسَدٍ، وَلاَ مِنْ مَشِيئَةِ رَجُل، بَلْ مِنَ اللهِ.” يوحنا 1: 12-13. حيث أن الولادة الثانية ليست بمشيئة إنسان بل بمشيئة الله.

وبالتالي عندما يقدم الواعظ كلمة الله فهو يقوم بعملية الدعوة الخارجية المقدمة للكل “إِذًا نَسْعَى كَسُفَرَاءَ عَنِ الْمَسِيحِ، كَأَنَّ اللهَ يَعِظُ بِنَا. نَطْلُبُ عَنِ الْمَسِيحِ: تَصَالَحُوا مَعَ اللهِ” (2 كورنثوس 5: 20)، لكن الله بالروح القدس يدعو دعوة خاصة داخلية في القلب للمعينين للخلاص، وهذه الدعوة لا يمكن مقاومتها. في حين إن الدعوة العامة يقاومها الغير معينين للخلاص. قال المسيح “كُلُّ مَا يُعْطِينِي الآبُ فَإِلَيَّ يُقْبِلُ، وَمَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ لاَ أُخْرِجْهُ خَارِجًا.” يوحنا 6: 37، أي أن كل من اختاره الآب سوف يأتي إلى معرفة المسيح. وكل من يأتي للمسيح يأتي لأن الآب يدعوه بل ويجتذبه “لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يُقْبِلَ إِلَيَّ إِنْ لَمْ يَجْتَذِبْهُ الآبُ الَّذِي أَرْسَلَنِي، وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ.” يو 6: 44. وروح الله القدوس هو من يقود المختارين للتوبة “لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَنْقَادُونَ بِرُوحِ اللهِ، فَأُولئِكَ هُمْ أَبْنَاءُ اللهِ.” رومية 8: 14، في حين أن من ليس هم أبناء الله لا ينقادون بروح الله. يا لها من تعزية أن ندرك أن إنجيل المسيح سوف يخترق قلوب مختاريه المتحجرة والخاطئة ويخلصهم بشكل عجيب من خلال دعوته الكريمة لهم في الداخل بالروح القدس. “وَإِلهُ كُلِّ نِعْمَةٍ الَّذِي دَعَانَا إِلَى مَجْدِهِ الأَبَدِيِّ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، بَعْدَمَا تَأَلَّمْتُمْ يَسِيرًا، هُوَ يُكَمِّلُكُمْ، وَيُثَبِّتُكُمْ، وَيُقَوِّيكُمْ، وَيُمَكِّنُكُمْ.” 1 بطرس 5: 10.

وهذه النقطة لا تعني أن الإنسان لا يقاوم روح الله. لكنها تعني أن المعينين للخلاص حين يعمل الروح القدس في قلوبهم للتوبة والرجوع لله لا يستطيعون أن يقاوموا هذه الدعوة وهذه النعمة وبالتالي تعمل فيهم فتغيرهم ويصبحوا أولاد الله بالإيمان الذي هو أيضا عطية من الله.

وبالرغم من أن بعض المختارين قد يقاوموا، بسبب طبيعتهم الفاسدة، دعوة الله إلى حين، لكنهم لن ينتصروا في النهاية. شاول الطرسوسي هو مثال لشخص لم يسمح له الله أن يقاوم. اقرأ اختباره في أعمال 9، 22، 26. لن ترى أن المسيح يتوسل إليه كي يقبل الخلاص بل بمجرد ما علم من هو ذلك الذي أعلن نفسه له قال: “ماذا تريد يا رب أن أفعل؟”

“اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ الَّذِي لاَ يَدْخُلُ مِنَ الْبَابِ إِلَى حَظِيرَةِ الْخِرَافِ، بَلْ يَطْلَعُ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ، فَذَاكَ سَارِقٌ وَلِصٌّ. وَأَمَّا الَّذِي يَدْخُلُ مِنَ الْبَابِ فَهُوَ رَاعِي الْخِرَافِ. لِهذَا يَفْتَحُ الْبَوَّابُ، وَالْخِرَافُ تَسْمَعُ صَوْتَهُ، فَيَدْعُو خِرَافَهُ الْخَاصَّةَ بِأَسْمَاءٍ وَيُخْرِجُهَا. وَمَتَى أَخْرَجَ خِرَافَهُ الْخَاصَّةَ يَذْهَبُ أَمَامَهَا، وَالْخِرَافُ تَتْبَعُهُ، لأَنَّهَا تَعْرِفُ صَوْتَهُ. وَأَمَّا الْغَرِيبُ فَلاَ تَتْبَعُهُ بَلْ تَهْرُبُ مِنْهُ، لأَنَّهَا لاَ تَعْرِفُ صَوْتَ الْغُرَبَاءِ.” يوحنا 10: 1-5.

د. ق. شريف جندي

 

 Image